التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سيلفي مع الرئيس ودهشة القرية: دروس في السلطة والتركيز الضائع

ف في حكاية طريفة قادمة من إحدى دول أوروبا الشرقية، تختزل الكثير عن طبيعة السلطة وعلاقة الحاكم بالمحكوم، رأت امرأة ريفية جمعًا من الناس يتهافتون لالتقاط الصور مع شخص ما. ببساطتها الفطرية، تقدمت هي الأخرى والتقطت صورة "سيلفي" عفوية. ثم سألته بفضول الريف: "كأنك شخص مهم، ولماذا يلتقط الناس الصور معك؟!". فأجابها الرجل بابتسامة عريضة وعفوية أكبر: "أنا رئيس الدولة!". ضحك الرئيس وعانق المرأة العفوية وأكمل طريقه.

هذه الواقعة، ببساطتها وعمق دلالتها، تحدث في دولة كانت يومًا ما جزءًا من منظومة تتغنى بالمركزية والسلطة المطلقة، منظومة حاولت دول أخرى محاكاتها بنظم سياسية دكتاتورية وأيديولوجيات حزبية متشددة. لكن هذه اللحظة العابرة تكشف عن تحول محتمل في الوعي، أو على الأقل، عن بقايا فطرة سليمة ترى في رئيس الدولة مسؤولًا عن خدمة المجتمع، وصاحب منصب إداري متداول، يخضع لإرادة الشعب عبر صناديق الاقتراع. حين يسود هذا الفهم، يصبح من الصعب على أي شخص أن يفرض إملاءاته أو دكتاتوريته أو يسعى لتدجين المجتمع وفقًا لمنهجه الخاص.

على الجانب الآخر من الصورة، نشهد في منطقتنا العربية، وتحديدًا فيما يتعلق بالشأن السوري، انشغالًا محمومًا بتحليل شخصية الرئيس السوري الحالي، أحمد الشرع. تتعدد التحليلات حول حياته، عائلته، قراراته، حتى لباسه وتسليحه الدائم، وكأن سوريا قد تخلصت من كل مشكلاتها المعقدة ليصبح التركيز على الرئيس هو الهدف الأوحد.

صحيح أن فهم طبيعة القيادة القائمة أمر ضروري، ولكن الأهم منه هو أن يتم هذا الفهم دون أحكام مسبقة، وأن يتجاوز مرحلة التحليل السطحي إلى التفكير العميق في مستقبل سوريا. من الضروري جدًا أن نبدأ في التخطيط لبناء هذا الوطن، والمساهمة في تنميته وتحصينه من جديد.

يبدو أن هناك حجتين رئيسيتين تبرران هذا التركيز المفرط على شخص الرئيس السوري. الأولى هي ضرورة فهم من يقود البلاد حاليًا. والثانية، وهي الأكثر إثارة للدهشة، هي تلك الأحكام المسبقة التي تختزل مستقبل سوريا في شخص الرئيس الحالي، بغض النظر عن أي تغييرات محتملة أو تحولات في المشهد السياسي. حتى أن بعض الآراء تصل إلى حد الجزم بأنه مهما فعل الرئيس، وحتى لو عين شخصية غير تقليدية في منصب رفيع، فإن المجتمع العلماني والدولي سيظل ينظر إليه بعين الريبة والشك، ويربطه بتيارات متشددة.

إن هذا الاختزال المفرط لقضية معقدة بحجم سوريا في شخص واحد يبدو قاصرًا عن استيعاب حجم التحديات والفرص المتاحة. فبينما من المهم فهم القيادة الحالية، إلا أن التركيز الحصري عليها يصرف الانتباه عن القضايا الأكثر جوهرية، مثل بناء مؤسسات قوية، وتعزيز المصالحة الوطنية، وتنمية الاقتصاد، وضمان حقوق جميع السوريين.

إن الدرس المستفاد من واقعة "سيلفي الرئيس" في أوروبا الشرقية بسيط وعميق في آن واحد: السلطة الحقيقية تكمن في خدمة الشعب، والمنصب هو أداة متداولة لخدمة هذا الهدف. أما الانشغال المفرط بشخص الحاكم، وتحويله إلى محور الكون، فيعيق التقدم ويؤخر عملية البناء والتنمية. سوريا، بكل ما عانته وتعانيه، تستحق منا تفكيرًا أعمق ونظرة أشمل تتجاوز الأشخاص إلى بناء مستقبل أفضل لجميع أبنائها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...