ك كم هو مؤلم أن يُساء فهم الكلمات، وأن يُفسر الألم العميق على
أنه تأييد للظلم. قرأت اعتراض أحد الأشخاص على ما كتبته سابقًا حول فتور التعاطف
والاكتفاء بالترحم على الأبرياء، وشعرت بمرارة اتهامه الضمني لي بتأييد ما يحدث في
الساحل السوري، وكأنني أحمل السلاح وأتوجه إلى تلك المنطقة المنكوبة.
هذا الاتهام يكشف عن جرح عميق في نفوسنا كسوريين، جرح ناتج عن
سنوات من القمع والخوف الذي منعنا من التعبير عن آرائنا بحرية، ومن الحوار والنقد
البناء دون خشية السجن أو القتل أو غيرها من أدوات الاعتراض المؤلمة التي اعتدنا
عليها.
من قال إن ما يحدث في القرى الساحلية لا يعتصر قلوبنا ألمًا؟
لقد علمتنا السنوات القليلة الماضية درسًا قاسيًا ولكنه حقيقي: الدم السوري واحد،
والألم السوري واحد. من يُجرح في الشمال، يتألم له القلب في الجنوب، ومن تدمع عينه
في الغرب، يبكي معه الشرق. لقد تشاركنا مرارة الفقد والخوف والقهر، وأصبح وجع أي
سوري هو وجع كل سوري شريف.
لكن، منذ اللحظة الأولى لما سميته "الصراع السوري"
بدلًا من "الثورة"، عمل نظام الأمس وفلوله اليوم بكل خبث على إشعال
الفتنة الطائفية والمذهبية، وزيادة الألم والجروح بين أبناء الوطن الواحد. ما يحدث
اليوم في الساحل، لا يمكن تبرئة فلول النظام منه. فهم أصحاب الخبرة الأكبر في
ارتكاب مثل هذه الفظائع، وعلى ذات النهج والطريقة التي اُرتكبت بها مجازر الأمس
القريب.
وإذا أردنا أن نسأل بصدق: من هو المستفيد الأول مما يحدث في
الساحل اليوم من فوضى ونقص في الأمن؟ فإن الإجابة واضحة: نظام الأمس وفلوله اليوم
هم المستفيدون الأوائل. هم من يزرعون بذور الفتنة ويقتاتون على الخوف والانقسام.
أما المستفيد الثاني، فهو "إسرائيل" شبه الدولة، التي
ما زالت تمارس اختراقاتها وتدخلها في شؤون الدول المحيطة، وتسعى للتوسع والتغلغل
في الأراضي السورية مستغلة حالة الضعف والفوضى.
المستفيد الثالث هو إيران، التي انكسرت شوكتها ونفوذها في سوريا
بعد أن رفضها الشعب السوري ورفضها المحيط الإقليمي. لكن إيران لن تستسلم بهذه
البساطة، فهي من دعم المجازر بالأمس وقام بها وحرض عليها ومولها، ومن المؤكد أنها
ستدعم أي فتنة أو صراع يخدم مصالحها اليوم.
أما الحكومة السورية الحالية، بفصائلها وشرائحها وأشخاصها، فهي
منا، من الشعب السوري، من أبنائه وحاراته وشوارعه، تحمل في طياتها آلامنا
ومعاناتنا. لن أكون مثاليًا، قد لا تكون أفعالهم دائمًا كما نأمل، ولكن لو كانت
هذه أفعالهم المقصودة، لقاموا بها سابقًا، ولنزح "الأقليات" من الشمال
كما كان يحلو للبعض تسميتهم.
لكن الألم الذي يثقل صدورنا كسوريين عميق وجارف، وفلول النظام تعمل بكل جهد على زيادته وتعميقه. وقد يكون من حقنا، بل من واجبنا، أن نقول لحكومة اليوم بوضوح وصراحة: عليكم بالمحاسبة العادلة، وعليكم بتطبيق آليات العدالة الانتقالية الحقيقية، قبل أن تتسع دائرة الدم وتلتهمنا جميعًا، وحينها لن نستطيع إيقافها. إن محاسبة المجرمين هي الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المأساة ولتحقيق مصالحة حقيقية في هذا الوطن المنكوب.
تعليقات
إرسال تعليق