في تلك الليلة الضبابية، حيث ارتشفت الأحاديث أرواحنا المثقلة بهموم يوم طويل، جلست هي، كطيف ساحر تجسد في امرأة، تسافر بنظرها بيننا. كانت محاولة يائسة لملامسة أرواحنا المتعبة، تمد يدها الرقيقة بكأسها المترنح إلينا، وكأنها تقدم جرعة نسيان مؤقتة. عشرة أفواه متعطشة، وعشرون عينًا دامعة، تنتظر دورها في لعبة اليانصيب العبثية التي تديرها ببراعة. كل منا يمد يده المرتجفة، بعضنا بخجل يلفه كوشاح أسود، وآخر بجوع روحي ينهش في أعماقه، وثالث بعطش للذة يحرقه من الداخل. لم يوفروا فتاتًا مما جادت به من يدها الساحرة. كانت ناعمة الجسد، مستلقية أمام أعينهم الجائعة، تتلوى بإثارة تضرم في نفوسهم براكين الغرائز المكبوتة. نظراتهم كانت تريد أن تلتهمها قطعة قطعة، أن تستحوذ على كل ذرة من وجودها. لكن كلما اقتربوا منها، كلما حاولوا إمساك هذا الطيف المراوغ، كانت تمنحهم فمها كجرعة سحرية، يسكرون من ريقها العذب، ويدوخون في رقصة نشوانة تبعدهم عنها خطوة أخرى. تسوق الجميع الكلمات الدافئة من شفاهها الوردية، يرشفون ما تنطقه كجرعات نبيذ معتق، يدورون ويسكرون وينطلقون في عوالم خيالية بعيدة كل البعد عما عانوه لأيام السنة الطويل...
مدونة حرة.. لا تلتزم بخط سياسي أو ديني أو حزبي.. بعيدة عن الصراعات في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط.. وقريبة من الإنسان فقط.