التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من سبتمبر, 2018

المقهى

في تلك الليلة الضبابية، حيث ارتشفت الأحاديث أرواحنا المثقلة بهموم يوم طويل، جلست هي، كطيف ساحر تجسد في امرأة، تسافر بنظرها بيننا. كانت محاولة يائسة لملامسة أرواحنا المتعبة، تمد يدها الرقيقة بكأسها المترنح إلينا، وكأنها تقدم جرعة نسيان مؤقتة. عشرة أفواه متعطشة، وعشرون عينًا دامعة، تنتظر دورها في لعبة اليانصيب العبثية التي تديرها ببراعة. كل منا يمد يده المرتجفة، بعضنا بخجل يلفه كوشاح أسود، وآخر بجوع روحي ينهش في أعماقه، وثالث بعطش للذة يحرقه من الداخل. لم يوفروا فتاتًا مما جادت به من يدها الساحرة. كانت ناعمة الجسد، مستلقية أمام أعينهم الجائعة، تتلوى بإثارة تضرم في نفوسهم براكين الغرائز المكبوتة. نظراتهم كانت تريد أن تلتهمها قطعة قطعة، أن تستحوذ على كل ذرة من وجودها. لكن كلما اقتربوا منها، كلما حاولوا إمساك هذا الطيف المراوغ، كانت تمنحهم فمها كجرعة سحرية، يسكرون من ريقها العذب، ويدوخون في رقصة نشوانة تبعدهم عنها خطوة أخرى. تسوق الجميع الكلمات الدافئة من شفاهها الوردية، يرشفون ما تنطقه كجرعات نبيذ معتق، يدورون ويسكرون وينطلقون في عوالم خيالية بعيدة كل البعد عما عانوه لأيام السنة الطويل...

حين يصبح الألم هويتنا

نحن أمة فريدة، ربما في قدرتها الاستثنائية على التمسك بالألم. نتألم، ونبلغ من السعادة ذروتها حين نتألم، ونذرف الدموع غزيرة على آلامنا الراهنة وتلك التي ورثناها عن الأجيال السابقة. نتوجع لما فعله الآباء بنا، والأجداد، وأجداد الأجداد، بل وحتى ما قبل فجر الخليقة. فإن لم نجد في سجلات الماضي ما يكفي لإدماء قلوبنا، قفزنا بخيالنا المثقل إلى السيدة حواء، التي حملناها وزر هبوطنا إلى هذه الأرض الفانية. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أننا نتألم بشغف، دون أدنى محاولة لتجاوز هذا العذاب المستمر، أو البحث عن جذور هذه الآلام لمعالجتها واقتلاعها من جذورها. نبدو وكأننا نستلذ بتقليب صفحات الماضي المؤلم، نستعيد تفاصيله الدقيقة، ونغذي به حاضرنا وكأنه الوقود الوحيد الذي يحركنا. ومصيبتنا الكبرى، تلك التي تكبلنا في دائرة مفرغة من الأسى، هي أننا لا ننسى أو نتناسى الألم أبدًا. بل على العكس، نصر إصرارًا عجيبًا على إظهار الوجع الذي ألم بنا، نعرضه على الملأ كأغلى مقتنياتنا، دون أدنى سعي لتضميده، لبلسمة جراحه، وللمضي قدمًا نحو مستقبلٍ قد يحمل في طياته بصيص أمل. يبدو وكأن الألم أصبح جزءًا أصيلًا من هويتنا، عل...

بين غربة اللحظة ووطن الروح

" أنا غريب وأنت غريب.. والتقينا الآن.. وسنفترق بعد لحظات.. ولن نلتقي مرة أخرى.. لذا أتمنى أن نكون صادقين.. لنفترق بذكرى طيبة. لا أريد أن أكذب ولا أن أحتال.. أريد صديقاً لثوانٍ دون عمليات تجميل." بهذه الكلمات، تبدأ حكايةٌ تتجاوز حدود الزمان والمكان، حكايةٌ عن البحث عن الصدق في زمن الزيف، وعن الوطن في عالمٍ يتغير . لم نكن يوماً جبناء، بل أردنا أن نعيش بلا مشكلات. لكن الصمت لم يكن حليفنا، فالعالم من حولنا لم يدعنا وشأننا، بل اقتحم أحلامنا وهدم كل أفكارنا. أجدني محاصراً بعيون من حولي، منهم من يصفني بالفاشل، ومنهم من يراني غامضاً، وآخرون يرمونني بالجنون. كلمات لا تنتهي، تدفعني نحو حافة الهاوية ، و كثير من الأحيان، يكون الرحيل هو الحل، أو ربما المواجهة المجنونة مع كل المجتمع . عندما قرأت جملة "السفر لا يحتاج إلى المال وإنما يحتاج إلى الشجاعة".. توقفت، وجهزت حقيبتي وتوكلت على الله. فكل يوم كنت أفكر بالماضي الكئيب الذي لفني، والمستقبل المجهول الذي ينتظرني إن بقيت مكاني.. لم أجد غير الرحيل، إلى أين؟ لا يهم. المهم أن أبدأ من جديد . هنا، حيث الأرض نفسها والدين نفسه، يس...