يا له من زمن عجيب! زمن تتغير فيه القيم أسرع من تحديثات
تطبيقات هواتفنا الذكية. زمن أصبح فيه "الفولو" أهم من الولاء،
و"اللايك" أصدق من العناق، و"الستوري" هو السجل التاريخي
الحقيقي لحياتنا. دعونا نتأمل سويًا هذه القيم الجديدة التي يرسم بها شباب اليوم
ملامح عالمنا الساخر.
في الماضي العتيق (أي قبل عشر سنوات لا أكثر)، كانت قيمة
"الاجتهاد" تحتل مكانة مرموقة. كان الآباء يوصون أبناءهم بالسهر على
الكتب، وتسلق سلم المجد درجة درجة بعرق الجبين. أما اليوم، فالاجتهاد قيمة
"أوت ديت". لماذا تتعب نفسك وأنت تستطيع أن تصبح "مؤثرًا" بين
ليلة وضحاها بنشر بضعة فيديوهات "ريلز" مبتذلة أو تحديات رقص مهزوزة؟
النجاح الحقيقي يقاس بعدد "المشاهدات" لا بعدد الشهادات.
أما قيمة "التواضع" التي كان يرددها الحكماء، فقد
أصبحت عملة نادرة في سوق القيم الجديد. التواضع؟ يا له من مفهوم بالٍ! كيف ستلفت
انتباه "الفانز" وأنت تخفض صوتك وتخفي إنجازاتك (الوهمية غالبًا)؟
القاعدة الذهبية اليوم هي: نافخ نفسك بنفسك، وإذا لم تفعل، سيقوم الآخرون بتجاهلك
بكل سرور. كل "بوست" يجب أن يكون احتفالًا ذاتيًا، وكل
"ستوري" يجب أن يقطر ثقة بالنفس (حتى لو كانت زائفة).
"الصدق
والأمانة"؟ قيمتان جميلتان تصلحان ربما لحكايات ما قبل النوم. في عالم
"التريند"، الأهم هو "المحتوى الجذاب"، بغض النظر عن مصدره أو
مدى مصداقيته. الكذبة المتقنة التي تحقق ملايين المشاهدات أجدى وأنفع ألف مرة من
الحقيقة الباهتة التي لا تجلب سوى بضعة "لايكات" من الأقارب. المهم هو
الانتشار، والباقي تفاصيل مملة.
"الاحترام
للكبير"؟ قيمة أخرى آيلة للسقوط. جيل الآباء والأجداد يعيش في الماضي، ولا
يفهم "الجيل زد" الطموح والمتفتح. نصائحهم مملة، وقصصهم طويلة، وتوقعاتهم
غير واقعية. الاحترام الحقيقي اليوم يوجه لمن يملك أكبر عدد من المتابعين وأحدث هاتف
محمول. أما كبار السن، فهم مجرد خلفية صامتة في صور "السيلفي" العابرة.
"المسؤولية"؟
كلمة ثقيلة لا تناسب خفة روح العصر. لماذا تتحمل مسؤولية أفعالك وأنت تستطيع
ببساطة أن تلقي اللوم على "المجتمع" أو "الظروف" أو
"الخوارزميات الظالمة"؟ الضحية دائمًا هي البطل، والاعتراف بالخطأ هو
قمة الضعف.
أما "التعليم العميق" و"التفكير النقدي"،
فقد استبدلوا بنجاح بـ "ملخصات يوتيوب" و"اقتباسات إنستغرام"
السريعة. لماذا تقضي سنوات في دراسة موضوع معقد وأنت تستطيع أن تحصل على
"الزبدة" في فيديو مدته دقيقتان مع موسيقى تصويرية حماسية؟ المعرفة
السريعة هي المفتاح، والعمق مجرد مضيعة للوقت الثمين الذي يمكن استغلاله في تصفح
المزيد من "التريندات".
ويمكن القول إن قيم الشباب الجديدة ليست بالضرورة سيئة، بل هي
ببساطة... مختلفة. تعكس عالمًا سريع التغير، عالمًا يقدر السرعة والسطحية
والانتشار الفيروسي أكثر من العمق والأصالة والجهد المضني. لذا، أيها الجيل
القديم، تذكروا: إذا أردتم البقاء على قيد الحياة في هذا العصر الساخر، تعلموا كيف
تبتسمون أمام الكاميرا، حتى لو كانت قلوبكم تبكي قيم الماضي البالية. ففي النهاية،
"اللايكات" لا تكذب أبدًا، أليس كذلك!.
تعليقات
إرسال تعليق