التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2025

وهم الخلود وذاكرة الأجيال: دروس من التاريخ وواقع سوريا

ن ننظر جميعًا إلى صفحات التاريخ وكأنها سجل أبدي يخلد أسماءنا جميعًا، وكأن ذكرياتنا ستنتقل حية إلى الأجيال المتعاقبة بلا انقطاع. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون ممن يعيشون اليوم هي أن ذكراهم، حتى وإن استمرت، فإنها غالبًا ما تتلاشى في غضون جيلين أو ثلاثة على أقصى تقدير. في حديث عفوي مع سيدة فاضلة نالت درجة الدكتوراه في التربية، عبرت عن رضاها العميق عن مسيرة حياتها بكلمات بسيطة وعميقة: "ماذا أريد أكثر من ذلك! فغدًا سنموت، وسيبقى ذكرانا لأولادنا وأحفادنا، وبعد ذلك لن يذكرنا أحد". بهذه البساطة والراحة والسرعة، لخصت الدكتورة حقيقة مسيرة الحياة بعد الموت. فمن لنا بعد رحيلنا سوى أبنائنا وأحفادنا يذكروننا بضع سنين، ثم تطوينا صفحة النسيان. اليوم، عندما نقلب صفحات التاريخ، نستحضر أسماء قليلة بارزة: قادة تركوا بصماتهم، مفكرون أضاءوا دروب المعرفة، كتاب أثروا العقول، وحتى لصوص ومجرمون غيروا مسار التاريخ بأفعالهم، سواء بنظرياتهم الثورية أو حروبهم المدمرة أو جرائمهم البشعة. وغالبًا ما يكون الخط الفاصل بين القائد العسكري الذي يُحتفى به والمجرم الذي يُلعن واهيًا، لا يتبينه بوضوح إلا من...

تحذيرات المراهق وسوريا الجريحة

ت تثير التحذيرات المتصاعدة الصادرة عن الكيان الإسرائيلي لرئيس الفترة الانتقالية السورية أحمد الشرع، والتي تتوعد بالرد على أي هجمات ضدها من الأراضي السورية، استغرابًا ممزوجًا بالسخرية. يأتي هذا التهديد في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة على الأراضي السورية منذ انهيار سلطة النظام السابق، وقصفها الممنهج لما تبقى من مستودعات سلاح (إن وجدت أصلًا). ما تفعله "إسرائيل" اليوم أشبه بسلوك مراهق حديث العهد بالحياة، وجد بين يديه أموالًا طائلة (من الولايات المتحدة وأوروبا) لينفقها ببذخ على نزواته وشهواته العابرة. يتعدى على هذا الجار، ويضرب ذاك الطرف، واثقًا من أنه بمنأى عن أي رد فعل أو محاسبة، فغطرسة القوة المستمدة من دعم "والده" تمنحه وهم الحصانة، وتؤكد لنا مجددًا أن هذا الكيان الطارئ لا يمت بصلة حقيقية لجذور المنطقة وتاريخها. فمن يقرأ طبيعة الأشخاص والدول بعمق، يدرك أن تاريخ الدولة هو بمثابة بصمتها وصورتها المتراكمة عبر الزمن. وكلما تعمق تاريخ الدولة وامتدت جذورها في الأرض، أصبحت أكثر حكمة، وأكثر ميلًا نحو السلام والاستقرار، إدراكًا منها لقيمة البناء والحفاظ على المك...

على هذه الأرض.. ترنيمة السلام

على هذه الأرض، التي تحتضن خطواتنا اليومية، لا نسير وحدنا. نحمل على أكتافنا ميراثًا ثقيلاً وقيمًا: ميراث السلام العميق، المتجذر في أعماق تربتها. إنه إرث التصالح الصامت مع الذات، مع تقلبات الزمن وأحداثه. هنا، عبرت حضارات شامخة، تركت بصماتها الباهتة على وجه الأرض، ثم انطفأ وهجها، لكننا بقينا، صامدين في وجه رياح التغيير. ع على هذه الأرض بالذات، التي تتوق إليها أعين الطامعين من كل حدب وصوب، نحمل أمانة السلام. لم يعد السلام مجرد أمنية أو شعارًا نرفعه، بل أصبح جزءًا أصيلًا من جيناتنا، يتخلل ممارسات حياتنا اليومية، يوجه خطواتنا وتطلعاتنا. لقد تشربت أرواحنا قيمة التعايش والتسامح عبر قرون خلت. على هذه الأرض، كنا نعيش بسلام فطري، متناغمين مع طبيعتها وسكانها. حتى حط رحال الغرباء على شواطئنا، قادمين من بعيد ليستوطنوا أرضنا الطيبة. أتى آخرون من الشمال، مدفوعين بجشع خفي ليسرقوا خبزنا وينهبوا خيراتنا. وحاول قادمون من الشرق طمس هويتنا المتفردة، ومحو ذاكرتنا الجمعية. لكن، رغم كل هذه المحن، بقينا صامدين، شامخين كجبالنا، تحيط بنا لعنة الجغرافيا التي جعلت أرضنا مطمعًا للغزاة. على هذه الأرض، تتردد أحا...

ندوب الذاكرة السورية.. بين صدمة المجازر وفتور التعاطف

ق قد يرى البعض في كلماتي القادمة صدى لطائفية مُستترة، لكنني أؤكد أنها ليست كذلك. إنها صرخة أسمعها تتردد على ألسنة كثيرين، إن لم يكن المئات، ممن تشاركوا معي مرارة السنوات العجاف في سوريا. منذ أن عصفت رياح الثورة بأرضنا، غرقت أنا وعائلتي وقريتي ومدينتي ووطني بأكمله في صدمة مُذهلة من هول المجازر التي ارتكبتها فئة اختارت لنفسها اسمًا مستعارًا، حتى بات سماع نبأ مقتل عشرات أو حتى مئات الأشخاص دفعة واحدة أمرًا شبه اعتيادي. نعود بعدها لممارسة تفاصيل حياتنا اليومية وكأن هؤلاء الضحايا قد سافروا إلى بلد بعيد بحثًا عن عمل. لكن هذا الظاهر القاسي يُخفي في طياته تبعات نفسية أشد وطأة. فعل القتل الوحشي الذي استهدف أبناء الشعب السوري على مدى أربعة عشر عامًا مضت، أدى إلى موت أشياء كثيرة في قلوبنا. اعتدنا على ممارسة الحياة بشكل سطحي، وتلاشى فينا كثير من المشاعر، وأهمها التعاطف. أعترف بمرارة أنني أشك في قدرتي على التعاطف العميق مع أي مجزرة تُرتكب اليوم، وأنا الذي استقبلت خبر مقتل أخي تحت التعذيب على يد من زعموا حماية أمن البلاد، ومُنعت عائلتي من إقامة العزاء اللائق به، بل أُجبرنا على التظاهر بأن شيئًا ...

حسابات إيران المعقدة تجاه اتفاق سوريا وقسد

ت تثير حالة الترقب التي تخيم على موقف إيران الرسمي تجاه الاتفاق التاريخي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، والقاضي بوقف إطلاق النار ودمج قوات "قسد" ضمن مؤسسات الدولة، العديد من التساؤلات. فبينما مضى وقت ليس بالقصير على توقيع الاتفاق (حتى 12 مارس 2025)، لا يزال الصمت الإيراني سيد الموقف، وهو صمت لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكة معقدة من المصالح والتخوفات الإقليمية والدولية المتداخلة. في قلب هذه الحسابات المعقدة، تبرز محاولة إيران الحثيثة للحفاظ على نفوذها الإقليمي الراسخ. تُعدّ طهران سوريا منطقة نفوذ استراتيجية حيوية لأمنها القومي وعمقها الاستراتيجي. أي اتفاق يهدد بتقويض هذا النفوذ، أو تغيير موازين القوى الداخلية في سوريا بشكل لا يخدم مصالحها، من شأنه أن يثير قلقًا عميقًا لدى القيادة الإيرانية. وعلى الرغم من تأكيدها الظاهري على وحدة الأراضي السورية، إلا أن إيران تفضل بلا شك حكومة مركزية تدين لها بالولاء وتتماشى مع أجندتها الإقليمية. من جهة أخرى، تنظر إيران بعين الريبة والعداء الشديدين إلى الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وتَعّده تهديدًا...