كثيرًا ما يتردد على مسامعنا وصف مجتمعاتنا بأنها لا تزال أسيرة
عباءة العائلية والقبلية، بعيدة كل البعد عن الفردية المتأصلة في الغرب. ويثير
دهشتي بشكل خاص استماع هذه النبرة الانتقاصية من بعض المثقفين ورواد الأعمال،
الذين غالبًا ما كانت نقطة انطلاقهم الأولى في عالم الأعمال هي دعم العائلة
وثقتها.
ليس منقصة أبدًا أن ننتمي إلى مجتمعات تحتفي بالروابط الأسرية
والقبلية؛ بل إن العيب يكمن في استصغار هذه الهوية الأصيلة. هذا النسيج الاجتماعي
المتين لا ينتقص قيد أنملة من وطنيتنا أو انتمائنا العميق لهذه الأرض وهذا الشعب.
بل على العكس، هو أحد أعمدة هويتنا المتفردة.
أعتقد أن من حظي بتجربة العيش في الدول الغربية بدأ يستشعر
فداحة التخلي عن هذا الدفء الاجتماعي. ورغم تذمر البعض منا أحيانًا من تدخل
العائلة أو المجتمع في تفاصيل حياتنا الشخصية ومعتقداتنا، إلا أن هذا
"التدخل" يبقى ألف مرة أرحم وأكثر إنسانية من تلك الفردية القاسية التي
تلف حياة الكثيرين في الغرب أو غيره، حيث يواجهون أمراضهم وأفراحهم وتقلبات حياتهم
وحيدين.
لقد استوقفني ذات مرة تحليل لأحد منظري الاقتصاد الغربي، حين
أوضح أن الرأسمالية، في سعيها نحو النمو والاستهلاك، نظرت إلى "حرية
المرأة" و"فردية الأشخاص" ليس كقيمة إنسانية عليا لذاتها، بل كأداة
اقتصادية. فخروج المرأة للعمل يعني المزيد من الضرائب وزيادة الاستهلاك، وتفكك
الأسر وتشجيع الفردية يعني المزيد من الوحدات السكنية والمزيد من الإنفاق الفردي
على كل مناحي الحياة.
قد يجادل البعض بأن دولًا عديدة بنت نهضتها على أساس الفردية
وتفكك الروابط الأسرية التقليدية. لكن هذه الدول نفسها، تجدها اليوم تدق أجراس
الخطر من ارتفاع معدلات الوفاة مقابل الولادة، وتزايد أعداد المسنين الذين يفتقدون
الرعاية الأسرية الحقيقية. القارة الأوروبية العجوز هي أقرب مثال حي على هذه
التداعيات.
بعيدًا عن صحة أو خطأ هذه التحليلات الاقتصادية، يبقى فصل أفراد
العائلة عن بعضهم البعض خطرًا حقيقيًا يهدد أي مجتمع يسعى نحو البناء والتقدم.
فبدون ذلك الشعور العميق بالانتماء والولاء للعائلة، كيف يمكن أن نتوقع ولاءً
حقيقيًا للمجتمع أو للدولة التي نعيش على أرضها؟ حتى وإن ظهرت بعض مظاهر النجاح
الفردي على المدى القريب، فإن الأساس الاجتماعي الصلب يبقى هو الضمانة الحقيقية
للتقدم المستدام.
إن قوة مجتمعاتنا تكمن في هذا النسيج العائلي والاجتماعي المتين. فلنحتفِ بهذه الهوية الأصيلة، ولنعمل على تعزيزها وتطويرها بما يخدم مصلحة الفرد والمجتمع على حد سواء، دون الانسياق وراء نماذج قد تحمل في طياتها بذور الوحدة والضعف على المدى الطويل.
تعليقات
إرسال تعليق