منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية
إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على
المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم
بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة.
فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين
باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين
والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة –
لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية.
رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن
ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة
تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية،
لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات.
مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى
بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون
بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية ويكثرون منها.. لكنهم في الممارسة اليومية يرفضون الحوار،
ويُقصون المخالف، ويعيدون إنتاج أنماط الإقصاء التي ثار بعضهم عليها.. وهذا السلوك
يهدد بتحويل الديمقراطية من مشروع وطني إلى مجرد أداة للصراع على السلطة.
لا يتحقق بناء دولة ديمقراطية بمجرد إسقاط نظام لم
يعجبنا أو أشخاص غير مناسبين من وجهة نظرنا.. أو حتى إن غيرنا الشعارات، بل يتطلب ترسيخ
ثقافة قبول الآخر، وإرساء قواعد المشاركة، وتطوير مؤسسات قادرة على إدارة التنوع السياسي
والاجتماعي.. اليوم الديمقراطية ليست وصفة جاهزة، بل عملية طويلة تحتاج إلى توافق،
وتنازلات، وإيمان حقيقي بأن الاختلاف قوة لا تهديد...

تعليقات
إرسال تعليق