"الاعتياد على شيء، يأتي بعد موت
شيء." كلمات حكيمة لأحد الكتاب السوريين، أظنه ممدوح عدوان، تلخص بمرارة
التحول المروع الذي طرأ على أرواحنا في خضم سنوات العنف والدم في سوريا. فكما
يعتاد عامل سوق النحاسين على الضجيج بعد أن تفقد خلاياه السمعية حساسيتها، ويعتاد
محب الطعام الحار على اللهيب بعد أن تموت براعم ذوقه، كذلك اعتدنا نحن على رؤية
الموتى، وعلى سماع أرقامهم وأسمائهم تتردد في نشرات الأخبار والفضائيات، حتى مات
في داخلنا أغلى المشاعر: التعاطف.
أتذكر جيدًا بدايات الثورة السورية، عندما كنت أعمل مع صحيفة
لوس أنجلس تايمز، وكتبت عن المجازر التي ارتكبها النظام في محافظة درعا، ثم في
الحولة بحمص، والبيضة في بانياس، وغيرها كثير. حينها، أرسل لي مدير المكتب في
لبنان رسالة قلقة، يطلب مني التوقف عن الكتابة عن هذه الفظائع خوفًا على سلامتي
العقلية.
لكن المجازر استمرت، وتحولت من وقائع مروعة إلى مجرد أرقام
تُتلى في الفضائيات، وتُسجل في تقارير المنظمات المحلية والإقليمية والدولية.
وبالمقابل، كانت طائفة المؤيدين تدبك فرحًا لما اعتبروه انتصارات على
"الإرهابيين"، وكأن أطفال ونساء ورجال تلك المناطق قد وُلدوا ليموتوا
بتلك الطريقة البشعة.
لم تتوقف "أفراح الوطن" المزعومة، ولا المسيرات
التأييدية الصاخبة، ولم يتذمر أحد لذبح وقتل المئات والآلاف، الذين طُمست وجوههم
تحت وطأة العنف، وحُزت السكاكين رقابهم، وكُتمت صرخاتهم المدوية، ومُثلت بأجسادهم
الطاهرة. في تلك الأيام السوداء، بدأنا نعتاد المجازر، نعتاد الموت، حتى بات الدفن
أحد "هواياتنا" القاتمة.
اليوم، يا للأسف، وصل بنا الحال إلى صفر في مقياس التعاطف. نردد
دائمًا عبارة "رحم الله البريء" بشكل آلي. واليوم، نسمع عن الفظائع التي
تحدث في القرى الساحلية، ورغم الرفض الضمني والصريح لما يجري، إلا أننا نكتفي
بترديد تلك العبارة الباردة: "رحم الله البريء". لم نسمع أصواتهم بالأمس
وهم يشمتون بموت الآخرين، ولا أصوات الكثير من "المعارضين اليوم" الذين
انتموا إلى فئة الصامتين أو المؤيدين بالأمس القريب.
اليوم ارتفعت أصواتهم لأن شبح الموت اقترب منهم، وارتفعت
أصواتنا نحن مطالبة بوقف استباحة الموت، واستباحة الأرواح، واستباحة كرامة
الإنسان. وترتفع أصواتنا أيضًا للمطالبة بوقف كل ذلك، ونضيف عليها مطلبًا عادلاً:
محاسبة كل من قتل وحرض وساعد ودبك فرحًا على دماء وأرواح أحبائنا وأبنائنا وآبائنا
ونسائنا بالأمس واليوم.
إن موت التعاطف ليس قدرًا محتومًا، بل هو ندبة عميقة في أرواحنا، نتجت عن سنوات من العنف والإفلات من العقاب. الطريق إلى التعافي يبدأ بالاعتراف بهذا الموت الداخلي، وبالعمل الجاد على إحيائه من جديد. يجب أن نستعيد قدرتنا على الشعور بألم الآخرين، وأن نرفض الصمت على الظلم أينما وقع. يجب أن نطالب بالعدالة والمحاسبة لكل من تلطخت أيديهم بالدماء، وأن نعمل على بناء مجتمع يحترم قيمة الحياة الإنسانية ويقف صفًا واحدًا ضد كل أشكال العنف والاستباحة. عندها فقط، ربما، نستطيع أن نبدأ في تضميد جراحنا العميقة ونستعيد إنسانيتنا التي كادت أن تندثر تحت وطأة المجازر.
تعليقات
إرسال تعليق