التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من مايو, 2016

صرخة صامتة في وجه الفقد والضياع

غاص  بقدميه بين ركام منزله، يبحث  الغبار يلف المكان ككفن أبيض، يخفي تحت طياته ذكريات وحياة كانت تنبض هنا قبل لحظات قليلة. بين الأنقاض المتراكمة لمنزله المنهار، غاصت قدما "أبو أحمد" كجذورهما في تربة الوطن التي باتت غريبة. كان يتحرك بهمة محمومة، يجرف بيده قطع الطوب المتناثرة، ينبش الأرض المحروقة بفأس عتيق ومجرفة صدئة، وكأنه يبحث عن كنز دفين. الأصوات من حوله كانت تتعالى بلهجة الخوف والرجاء: "أبو أحمد، ابتعد يا رجل! المكان خطر، القصف قد يعود في أي لحظة!" وجوه شاحبة وعيون قلقة كانت ترمقه من بعيد، تحاول جذبه بعيدًا عن هذا الموت المتربص. لكنه كان أصمًا عن ندائهم، أعمى عن نظراتهم. لم يلتفت، لم يعرهم انتباهًا، بل استمر في بحثه الدؤوب، كمن ضاع منه شيء لا يقدر بثمن. أيامٌ طوال انقضت وهو على هذا الحال. يخرج مع أول خيوط الفجر، يحمل أدواته البسيطة، ويعود مع حلول الظلام، منهكًا، مغبرًا، لكنه لم يستسلم. كان ينبش الركام طبقة بعد طبقة، وكأن الأرض تخفي سرًا لا يمكن البوح به إلا له. تساءل الجميع عن سر هذا الإصرار، عن هذا الشيء الثمين الذي يجعله يتحدى الخطر ويعرض حياته للموت ال...

القتلة الصامتون وغربة الروح وجريمة التجاهل

"طبعًا لم أقتل أحد..." نبدأ بهذه العبارة دفاعًا عن الذات، لكن سرعان ما يلاحقنا شبح أفعالنا اليومية، نحن المغتربين، ليذكرنا بأننا نمارس فعل القتل بصمت، دون إرادة واعية في أغلب الأحيان، من خلال نمط حياتنا الجديد الذي انفصل قسرًا أو اختيارًا عن واقع وطننا المشتعل. لقد طويت صفحة عام 2010 بتقلباتها، لكن التغييرات التي عصفت بمجتمعاتنا السورية اقتحمت حياتنا دون استئذان، تاركةً إيانا ممزقين بين داخل قسري وخارج اختياري أو قسري بالقدر ذاته. فالداخل السوري نفسه منقسم على نفسه: مناطق تحت سيطرة نظام، يكافح غالبيته لكسب قوت يومه بينما قلة تستغل هذا الكفاح، ومناطق أخرى خارج سيطرته، تعيش في ظروف يعلمها الله وحده، من قصف مستمر وحصار خانق إلى حكم فصائل مسلحة بمختلف ألوانها. أما نحن في الخارج، فمنا من اختار هذه الغربة بحثًا عن حياة أفضل، ومنا من أُجبر عليها خوفًا من الاعتقال أو فقدان الأمل أو بحثًا عن مستقبل آمن لأطفاله، أو تحقيقًا لحلم الهجرة الذي راود شبابنا. لكن بغض النظر عن توصيف حالتنا، فإن كثير منا يمارس القتل اليومي دون أن يشعر بوخز الضمير. شاهدت مؤخرًا عملًا دراميًا سوريًا، رسم ...