غاص بقدميه بين ركام منزله، يبحث الغبار يلف المكان ككفن أبيض، يخفي تحت طياته ذكريات وحياة كانت تنبض هنا قبل لحظات قليلة. بين الأنقاض المتراكمة لمنزله المنهار، غاصت قدما "أبو أحمد" كجذورهما في تربة الوطن التي باتت غريبة. كان يتحرك بهمة محمومة، يجرف بيده قطع الطوب المتناثرة، ينبش الأرض المحروقة بفأس عتيق ومجرفة صدئة، وكأنه يبحث عن كنز دفين. الأصوات من حوله كانت تتعالى بلهجة الخوف والرجاء: "أبو أحمد، ابتعد يا رجل! المكان خطر، القصف قد يعود في أي لحظة!" وجوه شاحبة وعيون قلقة كانت ترمقه من بعيد، تحاول جذبه بعيدًا عن هذا الموت المتربص. لكنه كان أصمًا عن ندائهم، أعمى عن نظراتهم. لم يلتفت، لم يعرهم انتباهًا، بل استمر في بحثه الدؤوب، كمن ضاع منه شيء لا يقدر بثمن. أيامٌ طوال انقضت وهو على هذا الحال. يخرج مع أول خيوط الفجر، يحمل أدواته البسيطة، ويعود مع حلول الظلام، منهكًا، مغبرًا، لكنه لم يستسلم. كان ينبش الركام طبقة بعد طبقة، وكأن الأرض تخفي سرًا لا يمكن البوح به إلا له. تساءل الجميع عن سر هذا الإصرار، عن هذا الشيء الثمين الذي يجعله يتحدى الخطر ويعرض حياته للموت ال...
مدونة حرة.. لا تلتزم بخط سياسي أو ديني أو حزبي.. بعيدة عن الصراعات في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط.. وقريبة من الإنسان فقط.