التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عودة "الفاتح" المزعوم وذاكرة السوريين المثقوبة



خرج رامي مخلوف عن صمته المطبق، أو هكذا يُقال. والمثير للسخرية في الأمر، إن صحت الأنباء والصفحة المنتسبة إليه، أنه أطل برأسه وكأنه "الفاتح" القادم، المنقذ المنتظر. لكن ما قرأه من تتبعوا هذا الظهور المفاجئ لم يكن سوى خليط من الأوهام، وتقديم لذريعة جاهزة على طبق من ذهب لجولة جديدة من القمع والعنف.

في الساحل السوري، لم يصدق كثير من الأصدقاء والزملاء السابقين هذه "العودة". بل إن الرغبة في التصديق معدومة، فذاكرة هؤلاء الناس لا تزال تحتفظ بمرارة التجربة. "من يجرب المجرب عقله مخرب!"، هكذا يلخصون موقفهم. لقد خبروا سلطة الرجل وسطوته، حين كان نفوذ آل مخلوف في أوجه، ولم يجدوا فيها ما يروي ظمأهم للعدل أو الكرامة. بل إن كثير منهم ذاقوا مرارة إذلاله، وزُج بهم في صراعات عبثية مع أطياف سورية أخرى، خدمةً لأجندات النظام الضيقة.

لا عودة إلى الوراء، هذه هي القناعة الراسخة لدى هؤلاء الذين اكتووا بنار الماضي. كل ما يصبون إليه اليوم هو العيش بأمان وكرامة في وطن مزقته الصراعات. يتذكرون جيدًا، أن من لم يكن فيه خير لأهله وجيرانه ومحيطه عندما كان في قمة جبروته المالي والنفوذي، لن يأتي بالخير لهم اليوم بعد كل هذا الخراب والدمار. من خان الأمانة في بداية الطريق، لا يُؤمن جانبه في نهايته.

إن محاولة ركوب موجة آلام الناس وقهرهم، واستغلال معاناتهم كورقة ضغط أو وسيلة للعودة إلى الواجهة، لهي قمة الانتهازية. على من يزعم الحرص اليوم، أن يتذكر أفعاله بالأمس. أن يتذكر كم من الأرواح أزهقت، وكم من الحقوق سُلبت، وكم من الكرامات هُدرت في ظل نفوذه.

إن صمت رامي مخلوف الطويل كان أهون بكثير من هذا الظهور الذي يفتقر إلى أي قدر من المصداقية أو التعاطف الحقيقي مع وجع السوريين. بدلًا من لعب دور "الفاتح"، الأجدر به، إن كان لديه ذرة من ضمير، أن يترك الناس وشأنهم، وأن يكف عن محاولة استغلال جراحهم العميقة لتحقيق مكاسب شخصية أو سياسية زائفة. لقد لفظهم الماضي، ولا يبدو أن الحاضر يحمل له أي ترحيب حقيقي. فالذاكرة الشعبية عصية على النسيان، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمن تسببوا في معاناتها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...