التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في سوريا اليوم.. نقد بلا حدود وتشكيك بلا ضوابط




 يعرب العيسى الصحافي السوري في لقاء بودكاست قال: "سوريا اليوم أكثر حرية من سويسرا.. فهناك قد تُحاكم على الرأي المخالف لشخص، أما في سوريا اليوم فهناك فضاء مفتوح لا رقيب فيه ولا محاسبة"

منذ الثامن من ديسمبر، تحول الفضاء السوري إلى ساحة من الآراء المختلفة.. وبات الاعتراض والهجوم على الإدارة السورية الحالية يُنظر إليه كعلامة على الحرية الشخصية... وبطاقة عبور إلى فضاء (الشفافية والواقعية).. لكن ما يثير القلق هو أن تتحول هذه الحرية إلى أداة للتشكيك في الآخر، في نواياه قبل أفعاله، وفي تاريخه قبل حاضره، وكأن من يشككون لا تاريخ لهم ولا مواقف سابقة.

لا أحد يُطالب بمحبة الإدارة السورية الحالية، لكن من اللافت أن أكثر المنتقدين لها هم من كانوا بالأمس جزءًا من النظام؛ أو مواليه؛ أو رمادييه؛ أو معارضيه في الخارج، وبعضهم ظهرت طائفيتهم فجأة.. ورفضًت رفضاً قاطعًا للإدارة الجديدة، وكأنها لا تنتمي إليهم... فقط لأنها معارضة من خارج السياق المتوقع..

محاور الاعتراضات التي تتداولها وسائل التواصل تتلخص بين الدين والسياسة والطائفية..  

أولها اتهام الإدارة الجديدة بالتشدد الديني المستتر.. والتي أصبحت شماعة يعلقها الطائفيون على أفراد الإدارة الجديدة، بأنهم يتبنون خطاباً دينياً متشدداً، وأنهم يرتدون لباساً لا يناسبهم، وأنهم يبطنون بغير ما يعملون..

ثانياً التعينات الطائفية.. يُقال أن الحكومة الجديدة من طائفة واحدة، ما آثار مخاوف من إنتاج الطائفية بشكل مختلف.. وبالمقابل يطلبون بالمحاصصة الحكومية.. أو وضع رأس الهرم من طائفة أقلوية..

ثالثاً يشكك البعض (أو الكل) في قدرة إدارة الحكومة الجديدة على التعامل مع الملفات السياسية والاقتصادية المعقدة في سوريا، ويُظهرون عدم تفهمهم أو فهمهم لإدارة خرجت من رحم الثورة السورية، من المناطق النائية، كانت تُقصف كل يوم واُرتكبت بمناطقهم المجازر منذ 2011 وحتى قبل هروب المجرم.. كيف ستتعامل مع الملفات المتشابكة؟ وكيف سيستطيع هؤلاء أن يبنوا بلد مثل سوريا؟! وكأن من هرب ومن والاه كانوا قد بنوا على مدى الـ 54 سنة شيء!!

رابعاً التشكيك بالتقارب الخليجي.. أولاً امتداد سوريا عربي، عربي بالمجمل، ليس طائفياً ولا مناطقياً، وإنما عربياً.. وهو ما لم يفهمه المجرم الهارب في 8 ديسمبر الماضي.. وأن علاقات الدول تُنبى على المصالح والندية.. وليس ارتهان البلاد لمشاريع طائفية..

في الأعوام السابقة بسطت دول الخليج دون استثناء يدها للنظام السابق.. لكنه سرق أموالهم وتحالف مع إيران ضد الشعب السوري بمشروع طائفي وتغيير ديمغرافي واضح.. واليوم هذه الدول بسطت يدها مرة أخرى.. لكسب سوريا كبلد محوري أولاً.. ذو امتدادات عربية ثانياً..

سابقاً كان يُقال أن في سوريا طائفة النظام وطائفة الشعب السوري، لكن الأحداث الأخيرة كشفت عن طوائف متعددة مختبئة بعباءة النظام السابق، وبعض أفرادها استباحوا الدم السوري مقابل مصالح طائفتهم الضيقة.. للأسف يُنظر للإدارة الجديدة وكأنها تمثل طائفة واحدة.. في حين أن الواقع أكثر تعقيداً من هذا التصنيف الضيق..

اليوم الجميع يكتب بحرية.. لكن الحرية لا تعني الفوضى.. والنقد لا يعني الهدم.. من حق الجميع أن يعترض ويعبر.. لكن من واجبهم أن يتحملوا المسؤولية.. وأن يفرقوا بين النقد والتشكيك.. سوريا بحاجة إلى عقلانية في الطرح.. لا المزايدات في الولاء أو المعارضة.. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...