التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عندما يفقد الصحافي بوصلته ليصبح ناقل للشائعات



باتت عبارة قال خبراء، أو أكدت مصادر، تتصدر نشرات أخبار وتقارير صحافية لعدد من وسائل الإعلام، وتُعد هذه الكلمات مبهمة، تُستخدم كمظلة لتمرير معلومات؛ قد يكون أصلها أحاديث مقاهي أو سهرات مسائية "مع الظن بحسن النية"، والتي جمعت صحافياً بمصدر غير موثوق أو خبير في السنة الأولى من جامعته، وكأن الهدف من استخدام هذه المعلومات إثارة جدل أو افتعال أزمة، ثم التنصل من أي مسؤولية تحت عبارة "نقلاً عن مصدر موثوق".

نعلم أن القارئ أو المشاهد لا يستطيع تقييم دقة المعلومة أو التحقيق من دوافع المصدر، فالمصدر هل هو خبير حقيقي في المجال الذي يتحدث به؟ أم مسؤول في مكان رفيع المستوى؟ أو شاهد عيان محايد لحدث ما؟ وما مصلحته المباشرة بالحديث للرأي العام؟ وغيرها من الاسئلة التي تظل معلقة في الهواء، مما يترك المتلقي في حالة شك، "في حال كان هناك مصدر بالأساس!"

لنجد أننا أمام مشكلتين آخرتين.. الأولى أن الصحفي لجأ للحل السريع والسهل لملء مساحته التحريرية أو تحقيق سبق صحفي وهمي، لكنه مع الوقت يكرس ثقافة الكسل الصحافي، إذ يتراجع دور االصحافي من تدقيق المعلومات والتحقق منها، إلى مجرد ناقل للأقاويل والمعلومات المتوفرة بين يديه.

والمشكلة الثانية، والتي تفاقم المشكلة، هي عندما تقتات وسائل الإعلام على بعضها البعض، أي ما يسمى الصحافة الدائرية، إذ يبدأ الخبر بمصدر ضعيف في وسيلة إعلامية صغيرة أو من صحفي كسول، لتلتقطه وسيلة إعلامية أخرى أو كبرى، لتنقل المعلومات والخبر من المصدر الأول، فينتشر وكأنه حقيقة واقعة، وتتبناه بعدها وسائل إعلام أخرى، وكل وسيلة تُنسب الخبر لما سبقها في سلسلة لا تنتهي.

وتصبح المعلومة الخاطئة أو الشائعة المتداولة، ذات لباس صادق؛ تتداولها وسائل الإعلام على أنها حقيقة مطلقة، حتى تنكشف حقيقتها وتتنصل كل وسيلة من مسؤوليتها، ملقية باللوم على المصدر الذي نقلت عنه، ما يعكس استخفافاً بعقل الجمهوري ورغبة في تحقيق الإثارة على حساب الدقة، مع الملاحظة أن بعض وسائل الإعلام تتجه لذلك؛ لإثارة فتنة معينة في بلد معين "كما يحصل في سوريا حالياً" أو لتحقيق أجندات سياسية أو حتى اقتصادية وتجارية "أيضاً كما يحصل في سوريا أيضاً".

العالم العربي اليوم، يشهد انتشار كبير لمثل هذه الشائعات، والأخبار المغلوطة عبر وسائل إعلامه، صغيرها وكبيرها، بداً من الإعلان عن صفقات سياسية واقتصادية وهمية، كما تنشر وسائل الإعلام حول الاتفاق السوري – الإسرائيلي، وصولاً إلى الحوادث اليومية التي تمس بعضها النسيج المجتمعي والتحريض على الفتن الطائفية، كالأخبار التي ينقلها المرصد السوري لحقوق الإنسان عن مصادر مجهولة، والتي تُبين لاحقاً أنها بنيت على أسس واهية من مصادر غير موجودة أو غير مطلعة أو متعاطفة مع الحدث.

المشكلة الأكبر التي نتعرض لها بعد ذلك، أن الأثر التراكمي لهذه الممارسات تصبح كارثية، فعلى المدى القصير قد تؤدي المعلومة الخطأ أو المغلوطة إلى إثارة الهلع أو الإضرار بسمعة شخص أو مؤسسة، أو حتى تأجيج صراع مجتمعي؛ كما حصل في مدينة جرمانا التابعة للعاصمة دمشق منذ أشهر، لكن الخطر الأكبر وهو عزف الجمهور عن الثقة في وسائل الإعلام، واعتبارها مصادر تحريضية كاذبة أكثر من ناقلة للمعلومة وكاشفة لها، ما يؤدي لفقد إيمانه بوسائل الإعلام كمصادر موثوقة للحقيقة، وهذا سمعناه بشكل واضح عندما هتف الجمهور السوري "الإعلام السوري كاذب" إبان بدايات الثورة السورية.

اليوم نجد أن آلاف الأخبار تُتداول يومياً على وسائل الإعلام، وعبر منصات التواصل الاجتماعي، ودور الصحافي أن يكون حارس البوابة لهذه الأخبار، وأن يتقصى المعلومات ويدقق في الحقائق لينقلها بشكل آمن وأمين، وأن يتمسك بأبجديات وأخلاقيات مهنة الصحافة.

لكن يجادل البعض، بأن بعض المصادر تخاف على نفسها، وعلى طبيعة المعلومات التي تنقلها، لكن أي مؤسسة إعلامية تعلم أن هناك حالات استئنائية تستدعي حماية هوية المصدر، وتضمن هذه المؤسسة للقارئ أن إغفال الاسم يعوضه كمية الأدلة والقرائن التي تؤكد صحة المعلومة وأن تتحمل المسؤولية الكاملة عما يُنشر. إضافة لذلك لابد للصحافي من كسر حلقة النقل الأعمى، فبدلاً من الانسياق وراء الرائج "التريند" على وسائل التواصل ونقل الأخبار بآلية، لا بد من تفعيل أقسام التحقق والتدقيق قبل نشر أي معلومة منقولة عن مصدر آخر، وضرورة الاستثمار في الصحافة الاستقصائية وتحليل البيانات وكشف الحقائق التي لا تطفو على السطح.

وأخيراً تفعيل دور المحاسبة لوسائل الإعلام التي يثبت تورطها في نشر الأخبار المضللة بشكل متكرر، فالمعركة ضد الضبابية وصحافة الشائعات التي نعيشها، معركة من أجل الحفاظ على دور الإعلام كسلطة رابعة تراقب وتكشف وتزيد من وعي المتلقي، لا دور تجهيل وتزييف ونشر الشائعات.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...