في أحد النقاشات التي تبدأ بحوار بسيط؛ لتتحول بعد ذلك إلى معركة
أفكار، وجدتُ نفسي أمام جدل مع صديق حول العلاقة بين الحب والزواج. كان رأيه أن العلاقات
تُشرعن بالحب، والحب لا يوجد داخل إطار الزواج وإنما خارجه فقط، بل وذهب إلى أبعد
من ذلك ليُشرعِن العلاقات الجنسية خارج الزواج بحجة أن "الحب يغفر كل
شيء". فيما ظللتُ أؤكد أن الزواج هو الرابط الوحيد الذي يمنح العلاقة قدسيتها
وشرعيتها، سواء في الدين أو الأخلاق، وأن ما يُبنى على الحرام يبقى حرامًا، حتى لو
ارتبط الطرفان بزواج شرعي..
ادّعى صديقي أن الحب والزواج مثل قطبَي المغناطيس، لا يلتقيان
أبدًا، بمعنى أن الزواج قد يكون علاقة جافة خالية من المشاعر، بينما الحب الحقيقي
– في نظره – لا يحتاج إلى عقد أو شرعية مجتمعية. متجاهلًا حقيقة أن الإسلام
والمجتمعات المحافظة – والشرقية عمومًا - قد ربطت بين الحب والزواج في إطار مقدس، إذ
قد يكون الحب أساسًا للزواج، والزواج وسيلة لحماية الحب من العبث والانحراف.
أما فصله بين المشاعر والشرعية، فهو نتاج ثقافة غربية تسعى إلى
تحرير العلاقات من أي قيود دينية أو أخلاقية، تحت شعار "الجسد ملك
لصاحبه"، لكن هذه الفكرة – رغم انتشارها – تتعارض مع قيمنا التي تُحرّم
العلاقات خارج الإطار الشرعي، ليس لأنها تكره الحب، بل لأنها تريد حمايته من أن
يتحول إلى مجرد شهوة عابرة، وشخص
مُستَغِل ومُستَغْل.
الأخطر في النقاش كان تبرير صديقي للعلاقات الجنسية قبل الزواج
بحجة أن "الحب يضفي عليها الشرعية"، وهنا بالضبط يكمن الخطر؛ عندما
تتحول المشاعر إلى مبرر للانحراف، ويُستخدم الحب كغطاء للزنا.
فحتى لو تزوج الشخصان لاحقًا، فهذا لا يمحو ما فعلاه من حرام،
لأن الزواج يُشرع ما بعده، لا ما قبله. ومن أسف بعض الشباب اليوم يتعامل مع
العلاقات الجنسية كحق شخصي، متأثرين بمسلسلات وأفلام تُروج لفكرة أن "الحب
يبرر كل شيء".
وما تدعم فكرة العلاقات المحرمة اليوم الدراما التلفزيونية "العربية"
وتضعها في إطار قصة حب بريئة، وتستهزئ بالزواج التقليدي وتصوّره كقيد للطرفين،
فإنها بذلك تغيّر مفاهيم الشباب دون أن يشعروا.. متناسين
أو متجاهلين أن هذه الثقافة هي استيراد لقيم غربية وغريبة تهدف إلى تفكيك الأسرة
وإضعاف الضوابط الأخلاقية.
لكن هل نرفض كل ما يأتي من الغرب؟ طبعًا لا. هناك أفكار إنسانية
راقية نأخذها من الحضارات الأخرى، مثل احترام الفرد، حرية التفكير، والتقدّم
العلمي، وبالمقابل نرفض الأفكار التي تتصادم مع ثوابتنا، مثل تحرير العلاقات
الجنسية، أو التقليل من قيمة الأسرة. فالغرب اليوم يعاني من عواقب هذه الحرية
المفرطة: أطفال بلا آباء، أمراض نفسية، ومجتمعات مفككة، فلماذا نستورد مشاكله؟
الأمر ليس مجرد "نقاش بيزنطي" كما يقال، بل معركة وجودية
بين من يحافظ على هويته وبين من يستسلم لتيار العولمة الذي يريد أن يجرف العالم ليجعل
منه نسخة واحدة تشابه الثقافة الغربية "الثقافة التي يُعاني مجتمعها
اجتماعيًا".
نعم، قد لا نتوصل إلى اتفاق مع من يتبنون هذه الأفكار، لكن
علينا أن نواصل الدفاع عن قيمنا، ليس بتزمت، ولكن بوعي وإدراك أن ما نحميه هو أساس
استقرار المجتمع وسلامته.
الحب ليس شهوة عابرة، والزواج ليس عقدًا ماديًا جافًا، عندما
نربط بينهما بالطريقة الصحيحة، نضمن علاقة مستقرة، وأخلاقية، أما عندما نفصلهما،
فإننا نفتح الباب أمام الفوضى التي لن تُبقِ ولا تذر.
تعليقات
إرسال تعليق