نعيش على
هذه الأرض منذ طفولتنا، نلعب في أزقتها، ندرس في مدارسها، نكبر على بين جنباتها،
ونظن في داخلنا أن من حولنا أقارب، وأخوة، وجيران، وأصحاب عمر. نحزن إذا ابتعد
أحدهم عنا، ونفرح لهم إذا سعدوا، ونقتسم رغيف الحياة معهم حتى لو شحّ الزاد وضاق
العيش.
هكذا
نشأنا، نظن أن ما بيننا ليس مجرد صداقات عابرة، بل روابط دم وأرض ونبض مشترك.
ثم، وفي
لحظة صادمة، تسمع أحدهم يقول: "كنت
بعرف.. انكشفتوا"
جملة
واحدة، تحمل ثقل الخيانة والخذلان، وتفتح أبواب الشك والريبة على مصرعيها.
ماذا يقصد حين يقول "انكشفتوا"؟ هل كنا متخفين؟ وممَّ
كنا نُخفِي أنفسنا؟ وهل الذي انكشف هو حقيقتنا، أم تصوراته المسبقة عنا؟
حين يقول
أحدهم "انكشفتوا"، فغالبًا ما يعني أنه كان يحمل تجاهنا شكًا ما، أو
حكما خفيًا ينتظر اللحظة كي يُفجره. لحظة الأزمة، إذ لا يعبّر هذا القول عن صدمة،
بل عن شماتة مستترة. كأنه يقول: "كنت أراقبكم بصمت، تنتظرون مني القبول،
بينما كنت غير واثق بكم.. وها أنتم أثبتم ظنوني".
ليس
الخطر أن ينكشف المرء على حقيقته، بل أن يُساء فهم جوهره طوال عمره.. أن يظن من عَاشرنا طيلة سنوات؛ أننا نرتدي
قناعًا، بينما نحن نتصرف بعفويتنا.
الخطورة أن يكون الآخر ينظر إلينا بعدسة ملأى بالريبة، فيقرأ كل
تصرف حسن على أنه تمثيل، وكل موقف صادق على أنه جزء من مخطط.
الانكشاف
الحقيقي ليس أن يفضحك عدو، بل ينظر إليك من كنت تعده سندًا، ثم يقول لك دون وجل:
"كنت بعرف عنك... انكشفت."
في لحظة كهذه تدرك حجم الهوة التي كانت تفصل بين الظاهر
والباطن، بين صورتك في عينيه، وصورة نفسك في عينيك.
وبعدها
لن يعود شيء كما كان، لا الود سليمًا، ولا الذكريات بريئة، لأن القلوب التي تنكسر
بصمت لا تعود للنقاء الذي كانت عليه، ولو سامحت، وظننت أنك سامحت..
وكلما
سمعنا بعدها كلمة "أخوة، حب، عِشرة" سنسأل أنفسنا بهدوء مثقل بالخذلان: "من الذي انكشف حقًا؟ نحن.. أم أنتم؟"
تعليقات
إرسال تعليق