التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الجنوبية السورية من منظور إسرائيلي


تعد المنطقة الجنوبية من سوريا (سهل حوران وجبل العرب)، ذات أهمية استراتيجية مركزية للأمن القومي الإسرائيلي، وذلك لقربها الجغرافي من الجولان المحتل منذ العام 1967 (حرب الأيام الست)، وتقع هذه المنطقة مباشرة على الحدود السورية الإسرائيلية، ما يجعلها شريطاً عازلاً بالغ الأهمية والحساسية لأي تغيرات في التوازنات العسكرية أو السياسية.

وترى إسرائيل أن أمنها يستدعي منع تموضع أي فصائل عسكرية أو وجود عسكري قوي، سواء من الجيش السوري، أو تنظيمات معارضة للجيش السورية والمدعومة من أطراف إقليمية أو فصائل موالية لإيران. كما يستدعي قطع خطوط الإمداد نحو لبنان، والحيلولة دون نقل الأسلحة أو المقاتلين من شرق سوريا (العراق – إيران) عبر الأراضي السورية إلى التنظيمات المعادية لإسرائيل كحزب الله وغيرها.

كل ذلك، ورغم الحديث الإسرائيلي المتكرر عن حماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا، إلى أن الوقائع تُظهر بأن أمن الحدود الإسرائيلي أولاً، وهو يتقدم بشكل واضح على أي اعتبارات إنسانية أو طائفية، إذ أن الخطاب الإسرائيلي يستخدم الدروز كذريعة لتبرير عمليات جيشه العسكرية، وعمليات القصف المستمرة على المنطقة، وبالمقابل تتعامل مع الملف الدرزي وظيفياً لخدمة أمنها فقط، وليس بدافع الاهتمام بالدروز كأقلية طائفية في سوريا.

وبالمقابل أجمعت أصوات شيوخ الطائفة الدرزية الموحدون في سوريا على رفض أي وصاية أو تدخل إسرائيلي، وإصرارهم على انتمائهم الوطني السوري، رغم استمرار إسرائيل في استثمار الورقة الدرزية سياسياً وإعلامياً.

كل ذلك نراه بشكل واضح من طرق تعامل الطيران الإسرائيلي، والذي نفذ غارات جوية وضربات بالمدفعية والطيران ضد مواقع في الجنوب السوري، دون اكتراثه لمقتل أو تهجير السكان المحليين، بحجة منع اقتراب أي قوة معادية من حدودها.

كما لم تتردد إسرائيل في هدم منازل وتهجير آلاف السكان المحليين، وتدمير أراضيٍ زراعية في إطار سعيها لترسيخ وجودها العسكري وتأمين الحدود، ما يؤدي إلى نزوح جماعي وموجة سخط بين الأهلي من المكونات الدينية والطائفية كافة.

لنجد أن إسرائيل وضعت خطاً أحمراً يقول "بقاء الحدود أمنة ومستقرة على رأس أولويات السياسة الإسرائيلية" حتى لو تطلب قصف المنطقة الجنوبية السورية فوق سكانها كرسالة للطرف السوري والدولي بأن أمن إسرائيل غير خاضع للمساومة، خاصة بعد 7 أكتوبر وهو تاريخ تغير عقيدتها الأمنية.

كل ذلك يعكس سياسة إسرائيلية براغماتية تضع الأمن القومي الإسرائيلي أولاً، متجاوزاً الاعتبارات المحلية أو الطائفية أو الإنسانية، فإسرائيل توظيف الطائفة الدرزية كأداة أو ورقة ضغط عند الحاجة، فيما تظل العقيدة العسكرية الإسرائيلية قائمة على مبدأ "الأمن أولاً، والأمن مقابل كل شيء"، حتى وإن كان المقابل تدمير منطقة بكاملها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...