التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تعاطف السوريون مع صراعات الآخرين

 


تحولت سوريا إلى مرادف للألم والمعاناة على مدى الأربع عشرة عاماً، فمنذ العام 2011، يعيش الشعب السوري فصولاً لا تنتهِ من المأساة، تتراوح بين القتل الممنهج، والصراع العسكري، وبين النزوح القسري وفقدان الأحبة، وتدمير البنى التحتية والبحث المضني عن لقمة العيش في ظل الظروف القاسية. لذا أصبحت الحياة اليومية في سوريا مرادفاً للوقوف في وجه المستحيل، إذ فقدت أجيال كاملة طفولتها وشبابها، وتلاشت أحلام الملايين تحت ركام الدمار والغبار.

وفي ظل كل ذلك، يتابع السوريون ما يدور حولهم من أحداث إقليمية، لكن بنظرة مختلفة، نظرة تشكلت بفعل سنوات من الألم والتهميش، ليجد كثير من السوريين أنفسهم في موقف لا يسمح لهم بالتعاطف الكامل مع الشعوب التي تتعرض للتراشق الصاروخي بين إسرائيل وإيران، ولا يمسح لهم بتقديم أي مساعدة حتى ولو كانت كلمة..

هو أمر ليس نابعاً مع غياب الإنسانية في قلوب السوريين، فالسنوات الماضية أنهكتهم وجمدت مشاعرهم، فكيف لشعب عاش تحت القصف المستمر، وعانى الجوع والبرد، وفقد أفراداً من عائلته إن لم يكن كامل عائلته، أن يستجمع طاقته العاطفية؛ للتعاطف مع صراع آخر، مهما كان حجمه؟  ومع حكومات شاركت في زيادة ألمه وعذاباته.. السنوات الماضية حملت كثيراً من التجاهل الدولي لمعاناته، وعدم الشعور به، أدت لحالة من النفور وعدم الاهتمام بما يحصل من صراعات لا تمس واقعه المباشر.

السوريون اليوم وصلوا لحالة من عدم الاكتراث بأي شيء، رغم التعاطف الإنساني الطبيعي مع ضحايا أي صراع، إلا أنهم أصبحوا أكثر تركيزاً على احتياجات البقاء اليومية، وباتوا يتبنوا نهجاً براغماتياً تجاه الصراعات الإقليمية، مع تركيزهم على الاستقرار وإعادة الإعمار بدلاً من الانخراط في صراعات القوى الإقليمية، خاصة وأن لا تظاهرات خرجت في إيران أو إسرائيل تدافع عن الشعب السوري السنوات الطويلة الماضية، بل شاركت حكومات الطرفين وساعدت في قتل السوريين وحرضت على ذلك..

فعذراً لمن يهاجمنا لعدم التعاطف، رغم أن التعاطف الإنساني فطري، إلا أننا ننظر إلى هذا الصراع بعين منهكة، وقلب مثقل، وعقل مشغول بإعادة بناء وهموم لا تنتهي. وكثير من السوريين يرون اليوم أن التعاطف مع الآخرين قد يكون ترفًا لا يملكونه في ظل واقعهم المرير.

وعذراً هذه ليست قسوة، بل نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من المعاناة التي جردت كثيرين من القدرة على الشعور بما يتجاوز آلامهم الخاصة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...