من الغريب أن القرارات التي تصدر الآن عن
الحكومة الحالية في سوريا خصوصاً عن وزارة الصناعة تتبع الطريقة ذاتها في اصدار
القرارات على مدى السنوات الخمسين الماضية، فالقرارات شخصية وفردية وبعيدة عن
وظيفة الوزارة في التخطيط الاستراتيجي للعمل الصناعي.
فالصناعيون وفي أكثر من مناسبة اتهموا الحكومة
الحالية والحكومات السابقة بعدم وضوح الرؤية الصناعية او حضور التنمية الصناعية في
القرارات والقوانين الصادرة عنها كل فترة، وبجعلها آنية وشخصية وعديمة الفعالية
بعد انتهاء الحالة المطلوبة، وفي بعض الأحيان لها تأثيرات مدمرة على الصناعة.
فعلى مدى السنوات تعثرت المؤسسات الحكومية
وخسائرها تجاوزت مئات الملايين، فيما القطاع الخاص أخذ بالنزوح خارج الاراضي
السورية منذ العام 2008، لعدد من الأسباب أهمها:
أولاً - الحكومة الحالية وما سبقها لم تملك
استراتيجية واضحة ممنهجة للنهوض بالاقتصاد السوري الحقيقي (الصناعة والزراعة)،
فالأرقام تؤكد ان الصناعة في الـ2005 تمثل بالنسبة الى الناتج الاجمالي المحلي
28%، فيما كانت في الـ2010 نحو 18%، وحالياً أقل من 10%، في بعض الصناعات التي ما
زالت على قيد الحياة.
ثانياً - الخلل الذي اوجدته فوضى التنظيم
الصناعي في المناطق الصناعية المعتمدة على الارض بحكم انتشار الصناعيين، وارتفاع
نسبة الرسوم والضرائب وغيرها من الخدمات التي يدفعها الصناعيون للجهات الحكومية،
فالمدن المركزية لم تعد بالفعالية ذاتها مع اشتداد الصراع المسلح في محيطها، عدا
هجرة الصناعيين الى المناطق الآمنة شكلياً بالنسبة الى الصناعيين في مدن الساحل.
ثالثاً - تجاهل الجهات الحكومية أي محاولة دعم
للصناعات التي ما زالت قائمة من ناحية الطاقة او تأمين المواد الأولية وتسهيل نقل
البضائع، او محاولة اعادة جدولة القروض ودعم التصدير لايجاد ميزة تنافسية، مع
الغاء ميزة محاظفة حلب كعاصمة اقتصادية في سوريا.
رابعاً - اختفاء المجالس الخاصة بالتنمية
والتخطيط واصدار القرارات، واكتفاء الصناعة السورية بوزارة الصناعة كأداة تنفيذ
وتخطيط واصدار قرار، من دون مراقبة ومحاسبة من اي جهة حتى رئاسة الحكومة.
خامساً - مشكلة الاتفاقات التجارية التي عدّها
الوسط التجاري والصناعي اتفاقات غير عادلة، فما قبل الثورة (الصراع) السورية، كانت
الاتفاقات مع تركيا ودول الاتحاد الاوروبي ودول الخليج العربي ذات علاقات ومواقف
سياسية وديبلوماسية، ولم تستفد منها الصناعة السورية، بل العكس كانت نسبة
الاغلاقات والخسائر في الصناعة السورية حتى بداية الـ2011 لأكثر من 80%، عدا عن
المشكلات الناتجة من ذلك، كتفاقم البطالة وزيادة نسبة الفقر، وفي الوقت الحالي
كافة الاتفاقات التجارية مع ايران وروسيا والدول الداعمة للنظام تحمل الطابع
النفعي السياسي.
سادساً - تهميش المؤسسات الخاصة والأهلية كغرف
الصناعة، وتجاهل كافة الخطط ومشاريع التطوير التي تقدمت بها هذه المؤسسات، واقتصار
مستوى مشاركة هذه المؤسسات على حضور الاجتماعات وابداء الرأي فقط.
سابعاً - فقدان الأمن الذي يحتاج اليه الصناعيون
في العمل، فيعد المقوم الاول والأهم في اي عمل صناعي، ومع فقدان الأمن في كل
المناطق السورية بلا استثناء، تبقى البيئة اللبنانية والمصرية والاردنية المكان
الأمثل لها.
المعروف عن الصناعة انها العمود الفقري
للاقتصاد، لكن يبقى امام الصناعيين انتظار انهيار الاقتصاد السوري بشكل كامل،
لتنطلق عجلة البناء من الصفر، ففي اعتقاد الكثير من الصناعيين، البدء من الصفر
وبناء آلة جديدة يعد أسهل وابسط من اعادة اصلاح البنية المتهالكة التي بناها
النظام الحالي على مدى خمسين عاماً.
نشرت في صحيفة النهار بتاريخ 12 /7/ 2013
تعليقات
إرسال تعليق