التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصراع السوري يصقل خبرات المصارف الفتية في سوريا

حاولت المصارف السوري أن تنأ بنفسها لما وصلت إليه أحوال الاقتصاد السوري، لكن انعكاسات الصراع أتى على كافة قطاعات الاقتصاد السوري بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص، إذ تعاني المصارف الخاصة بالإجمال من الخسائر المالية حتى نهاية عام 2016، رغم إدعاء بعضها بعكس ذلك أمام اللجان الرقابية.
وصل عدد المصارف العاملة في السوق السورية حتى نهاية الربع الثالث لعام 2016 إلى 21 مصرف منها 14 مصرفاً خاصاً منهم ثلاثة مصارف إسلامية، إضافة لبنك واحد مرخص له بممارسة التمويل للمشاريع الصغيرة هو مصرف الإبداع للتمويل الصغير والمتناهي الصغر.
الصراع الذي أدى إلى انكماش الحركة الاقتصادية وهبوط سعر صرف الليرة السورية أمام سلة العملات (حقوق السحب الخاصة) إضافة للأضرار التي طالت البنى التحتية الأساسية، كلها أدت إلى أرقام هزت جدران المصارف السورية الخاصة قبل العامة.

المصارف العامة
زادت خسائر المصارف العامة الحكومية عن الـ 143 مليار ليرة سورية (666 مليون دولار أمريكي)، وفقاً لبيانات مصرف سورية المركزي، شملت أضرار المصارف العامة المباشرة، باستثناء الأضرار التي لحقت بالعقارات وفروع المصارف في المناطق المشتعلة التي يصعب الوصول إليها وإجراء الكشف لحصر الخسائر.
وتوزعت الأضرار المباشرة حسب المصارف على النحو التالي: نحو 138 مليار ليرة سورية أضرار مصرف التوفير (أي ما يعادل 96.5 ٪ من إجمالي الأضرار)، وأضرار المصرف التجاري مليار ليرة سورية، إضافة إلى بعض المبالغ بالعملات الأجنبية. فيما بلغت أضرار المصرف الزراعي 3.458 مليارات ليرة سورية، وإجمالي أضرار المصرف الصناعي 145 مليون ليرة سورية، كما بلغ إجمالي أضرار مصرف التسليف الشعبي 235.2 مليون ليرة سورية، وبلغت الأضرار الإجمالية للمصرف العقاري 310.4 ملايين ليرة سورية، حسب بيانات مصرف سورية المركزي.

المصارف الخاصة
تشير الأرقام التي أصدرتها المصارف الخاصة من خلال إفصاحاتها لهيئة الأوراق المالية إلى ارتفاع أرباحها، خلال النصف الثاني من عام 2015، إذ احتل بنك قطر الوطني- سورية المركز الأول بصافي أرباح 20.116 مليار ليرة بنسبة ارتفاع 141.74% عن العام الذي سبقه، ليأتي بعده بنك عودة - سورية بصافي أرباح 7.875 مليار ليرة بنسبة ارتفاع 166% عن العام الذي قبله، ليتبعه بنك البركة وبيمو السعودي الفرنسي وببيلوس ثم بنك سورية والمهجر وفرنسبنك وبنك سورية الدولي الإسلامي والبنك العربي – سورية، فبنك الشام الإسلامي وبنك الأردن – سورية وبنك الشرق وبنك سورية والخليج وبالنهاية المصرف الدولي للتجارة والتمويل بصافي أرباح 20.3490 مليون ليرة بنسبة ارتفاع 313.12% مقارنة عما كانت عليها بنفس الفترة من العام 2014 .
لكن أرقام المصارف الخاصة، لا تفسر الأرباح التي وصلت إليها، مع وقف عمليات الإقراض وانخفاض الإيداعات، وانهيارصرف الليرة السورية أمام سلة العملات (وحدة حقوق السحب الخاصة)، وإلغاء مناطق جغرافية كاملة عن العمل المصرفي.
يجيب على هذه الاستفسارات دراسة أعدها الباحث الاقتصادي الدكتور عمار يوسف، نشرها في وسائل الإعلام المحلية، يرى خلالها أن القطاع المصرفي هو الأكثر حساسية خلال سنوات الحرب، وذلك لأسباب عدة؛ أهمها خروج الكثير من المصارف عن الخدمة، وكمية السرقات الهائلة وتوقف المصارف عن الإقراض، إضافة لكمية هائلة من الكتلة النقدية المقترضة سابقاً، إذ أصبحت بحكم الديون المهتلكة نتيجة عدم إمكانية السداد، وانخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية، الأمر الذي جعل التحصيل غير ذي جدوى إلى جانب منع التعامل والعقوبات المفروضة على المصارف السورية، كل تلك الظروف تسببت بخسائر هائلة تجاوزت حسب الإحصاءات 9 مليارات دولار.
فيما قالت دراسة صادرة عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات (مداد) إن إجمالي خسارة هذا القطاع خلال خمس سنوات وصلت لنحو 175.5 مليار ليرة سورية (40 مليار دولار) موزعة على الشكل التالي: ( عام 2011 -  8.6 %، وفي عام  2012 - 16.7 % ، وفي عام 2013 -  21.5 %، وفي عام 2014 - 25.8 %، وفي عام 2015 - 27.4 %).
وقالت دراسة يوسف إن نوعاً من الاندماج حصل بين فقدان الليرة قدرتها الشرائية مع خسائر البنك المركزي نتيجة الصراع، لتقدر خسائر القطاع النقدي إلى ما يزيد على 40 مليار دولار، قيمة ما كان لدى المصرف المركزي من احتياطي، وما تم استجراره عبر مجموعة من المعاملات المصرفية مع الدول الداعمة لسوريا، إلى جانب الخطوط الائتمانية. كما قدرت الدراسة كلفة إعادة سعر صرف الليرة إلى سابق عهده (50 ليرة للدولار الواحد) بما يزيد على 70 مليار دولار، وهو ما سيكون غير مُجد اقتصادياً.
وفقاُ لما سبق، فالمصارف الخاصة ركزت على عمليات شراء الدولار من المصرف المركزي بهدف زيادة إيداعها من القطع الأجنبي، وذلك ما حقق لها أرباح من انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار، أي اعتماد المصارف على المضاربة واقتناص فرص انخفاض قيمة الليرة.
نتائج الصراع على المصارف
تعاني كلا المصارف العامة الحكومية والخاصة ما جرى على الأرض السوري، لكن اختلفت خسائر كلا الطرفين مما حصل وفقاً للكتلة المالية التي تملكها كلاً منهما، إضافة للأطراف المشاركة والداعمة لها، فأولى المشكلات التي تعاني منها هذه المصارف تعثر القروض، وكان مصرف سورية المركزي قد صنف قطاع الأعمال المتعثر في مذكرة رفعها عام 2013 إلى قسمين الأول فئة المقترضين المتعثرين نتيجة توقف العديد من المنشآت عن العمل والظروف الأمنية، وبالتالي توقف التدفق النقدي على نحو لا يمكن من سداد القروض المتعثرة، وهؤلاء يمكن أن تؤدي التسوية وإعادة الجدولة إلى منحهم فرصة للسداد، أما الصنف الثاني فهو جزء هام من المقترضين ممن ليست لديهم الرغبة بالسداد رغم توفر القدرة على ذلك جزئياً أو كلياً، وهؤلاء معظمهم خارج البلاد ومن الصعب التواصل معهم.
وأضافت المذكرة أن حالات عديدة من هؤلاء المقترضين حصلوا على قروض مرتفعة وتوقفوا عن السداد منذ عام 2011 وبعضهم قبل ذلك، كما أن جزءاً منهم لم يحافظ أو يسعى لاستمرار عمله في سورية بل سارع إلى إخراج منشآته وأمواله إلى خارج البلاد، وبينما استمرت أعماله في الخارج ويمتنع عن سداد التزامات القروض المأخوذة من المصارف السورية العامة أو الخاصة.
وحسب المذكرة السابقة بلغت مجمل القروض المتعثرة نحو 233.9 مليار ل.س موزعة على 14% مستحقة للمصارف العامة، و86% مستحقة للمصارف الخاصة، فيما قال تقرير صادر عن مركز دمشق للأبحاث والدراسات أن الديون المتعثرة ارتفعت من إجمالي الديون في المصارف العامة من 4.5 %في العام 2011 إلى 16.2 % في العام 2015 ، في حين وصلت نسبة الديون المتعثرة، في المصارف الخاصة إلى 9.4 % في العام 2015.
وذكرت صحف محلية أن إجمالي أصل الدين "القروض المتعثرة" في المصارف العامة بلغ نحو 145 مليار ليرة سورية (ما يعادل 280 مليون دولار أميركي) على حين تصل القروض في قيمتها النهائية وفق إحصائيات المصارف بعد إضافة الفوائد وغرامات التأخير المستحقة إلى نحو 250 مليار ليرة سورية (ما يعادل 482 مليون دولار أميركي)، وهذه أرقام لا تقارن بحجم آثار الصراع.
فيما شككت بعض الصحف المحلية في تقارير لها عن المصارف السورية بحجم المبالغ التي خسرتها المصارف (بشقيها العام والخاص)، وذلك بسبب وجود القرض الأوروبي لدى بعض المصارف، إذ لعبت المصارف العامة دور الوسيط بين المقترضين وبنك الاستثمار الأوروبي.
لكن إن صدقت التقارير الرسمية أم قللت من حجم الخسائر، فإنها بدأت بوقت مبكر في إجراءات وقف النشاط الإقراضي من خلال قرار لها صدر عام 2012، ورغم أن القرار صدر في ذلك الوقت ليس بسبب القروض المتعثرة وإنما بسبب انخفاض نسبة السيولة النقدية لدى المصارف وارتفاع عامل المخاطرة نتيجة حدة المعارك وقربها من المراكز الرئيسية للبنوك في ذلك الوقت، لكن أوائل بداية عام 2015 تغيرت نسب السيولة لدى جميع المصارف العامة، وانخفض عامل المخاطر التسليفية، ورغم قرار منع الإقراض مازال ساري المفعول، إلا أن المصارف تقوم بعملية الإقراض.
والخطوة الثانية التي اتخذتها الجهات الحكومية النافذة بهدف حل هذه المشكلة، أصدرت القانون رقم 30 لعام 2014 لإعفاء القروض من الفوائد ومساعدة المصارف بتحصيل القروض، والمقترضين على إجراء عملية تسوية وجدولة للقروض المتعثرة، لكن كبار المقترضين لم يقدموا لإجراء التسوية بسبب الصراع المستمر، ليتلوه القانون رقم 26 لعام 2015 الذي لحقه ضغط من المصارف على المقترضين للقيام بالتسوية والتسديد، نتيجة لما لحق من قرارات منع السفر بحق المقترضين المتعثرين واستملاك القروض (عقارات) رغماً عن أصحاب العقارات، ومطالبتهم بتسديد المبالغ المترتبة عليهم للمصرف واستعادة العقار، علماً أن المصارف في كثير من الحالات لم تستفد من العقارات المنفذ عليها بسبب الظروف وعدم القدرة على بيع جزء كبير من هذه العقارات.
وفي خطوة ثالثة شكلت الحكومة النافذة وسط دمشق لجان لدراسة مشكلات المصارف في إجراءات التقاضي وإمكانية تعديل قوانين التسوية، فأعادت اللجان النظر في القانون رقم 14 لعام 2014 الذي يتضمن أصول وإجراءات الدعاوى المصرفية، وقانون رقم 21 لعام 2014 المتعلق بإحداث المحاكم المصرفية البدائية والاستئنافية، وتم وضع الاقتراحات للتعديلات اللازمة على القوانين كما تم وضع دراسة لآلية جديدة لعمل المحاكم المصرفية بشكل عام وإمكانية إحداث دوائر تنفيذ خاصة بها.
أسعار الصرف
ثاني المشكلات التي تعيشها المصارف السورية، هي تقلبات سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وانخفاض قيمته بشكل واضح أمام سلة العملات (وحدة حقوق السحب الخاصة التي تتألف من أربع عملات: الدولار الأمريكي – اليورو الأوروبي – الين الياباني – الجنيه الاسترليني)، أكثر من 88% خلال خمس سنوات، لتشهد معها مستويات الأسعار ارتفاعات جنونية تجاوزت 700%.
فاستقرار سعر صرف، أي عملية ضمن هامش تحرك ضيق نسبياً، يعد مؤشراً عالية لدى مصرف سورية المركزي كمحرك للسياسة النقدية في ضبط سوق الصرف، في حال عدم حدوث تغيرات كبيرة في العوامل الأساسية المؤثرة في سعر الصرف، وهو ما يعد أساسياً في جميع الاقتصادات لما له من دور في إرساء الثقة في الاقتصاد، لكن منذ عام 2011، فشل المصرف المركزي في ضبط عملية التقلبات على العملة، واتهم وبشكل مستمر التجار والجهات الخارجية بالتلاعب بسعر الصرف، بعيداً عن الأسباب الحقيقة لهذه التقلبات.
لكن المصارف العامة والخاصة، أعلنت عن تحقيق أرباح نتيجة الانخفاض الكبير الذي شهدته الليرة السورية خلال الأعوام السابقة، فيما شهد عام 2015 انخفاضاً كبيرة في قيمة الليرة السورية ما شكل القسم الأكبر من الأرباح المعلن عنها لدى المصارف.
ويبدو أن انخفاض قيمة العملة السورية أمام سلة العملات، كان خيراً على المصارف، لكن أثناء التدقيق بأرقام المصارف، نجد أن الأرباح التي ادعتها المصارف السورية تضخمية وناتجة عن تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار بنسبة تضخم زادت على 88 % منذ عام 2011 إلى الآن.
ونذكر أن قانون المصارف السورية سمح للمصارف الخاصة بإيداع نسبة من رأس المال بالدولار على أن لا تتجاوز هذه النسبة 30 ٪، وبما أن القوائم المالية للمصارف يجب أن تكون مقومة بالليرة السورية، إذاً يجب تحويل أي مبلغ بالعملات الأخرى إلى الليرة السورية بحسب سعر الصرف في تاريخ إصدار القوائم المالية، ويعد الفارق بين سعري الصرف بين الميزانيتين بمثابة ربح يدخل ضمن أرباح المصارف، حتى ولو لم يتم تحويل هذه المبالغ إلى الليرة السورية فعلاً.

جرائم جنائية
ثالث المشكلات التي تعيشها المصارف، هي الجرائم الجنائية بتنوعها (السطو – السرقة - التزوير) وجرائم النصب والاحتيال، إذ كشف تقرير صادر عن "سوق دمشق للأوراق المالية" عام 2016 عن تعرّض المصارف الخاصة في سورية، لعمليات سطو وسرقة وتزوير، بلغت حصيلتها، خلال السنوات الخمس الماضية 2.49 مليار ليرة سورية (4.5 مليون دولار)، وبين التقرير إلى أن مرتكبي هذه الجرائم "هم موظفون ضعيفي النفوس، يشغلون مناصب مهمة في المصارف، ويتمتعون بخبرة وذكاء كبيرين".
بينما تُبرر المصارف العامّة، عدم حاجتها إلى الإفصاح عن الجرائم المالية التي تُرتكب ضدّها، بذريعة أنها ليست شركات مساهمة، ولا هي مُدرجة في "سوق دمشق للأوراق المالية"، ما يُبقي نشاطها بعيدًا عن قواعد الإفصاح المتبعة في المصارف الخاصة.
لكن المصارف العامة تعرضت لجرائم الاحتيال والاختلاس والتزوير أيضاً، وكان بعضها بالتعاون مع موظفين ضمن المصرف، وبعضها كان خارجياً دون وجود تعاون من الداخل، وفقاً لتقارير إعلامية لصحف محلية، ولم تذكر أي أرقام للخسائر التي تعرضت لها هذه المصارف.
وقدرت التقارير الرسمية واللارسمية الخسائر نتيجة لجردة الحساب من خلال إحصاء جميع الافصاحات الطارئة المتعلقة بقضايا السطو والنهب والتزوير، العائدة للمصارف الخاصة، والمنشورة على الموقع الالكتروني لسوق دمشق للأوراق المالية منذ العام 2011 حتى الآن، وتحويل المبالغ من العملات الأجنبية إلى الليرة السورية وفق أسعار الصرف الرسمية الصادرة عن مصرف سورية المركزي، وقت وقوع الحادث، مع الإشارة إلى وجود بعض الحالات التي تم الإفصاح عنها من دون إمكانية تحديد قيمة المسروقات بسبب الظروف التي تمر بها منطقة الفرع الذي وقعت فيه الحادثة.
علماً بأن جميع تلك المصارف قامت باستدراك المخصصات اللازمة مقابل المسروقات واتخاذ الإجراءات اللازمة بهذا الخصوص، من أجل تغطيتها بنسبة 100% عبر المؤونات الخاصة كي يتم شطبها، فلا تؤثر في سيولة المصرف ورأسماله.

صمود المصارف
يبقى صمود المصارف وسط حالة الفوضى الاقتصادية وانهيارات آليات العمل الصحية والعقوبات الدولية المشددة، مثار للتساؤل.
فعزا تقرير لصحيفة واشنطن نشرته العام الماضي صمود المصارف والبنوك السورية، بما أسماه "صمود المصارف" الخاصة العاملة في سورية إلى الإفصاحات الذي تنشرها، وإلى فئة رجال الأعمال المُقرّبين من الرئيس الأسد، الذين "لم تُثنهم العقوبات المفروضة على سورية عن إيقاف دعمهم للنظام".
فالمصارف الخاصة معظمها فروع لمصارف عربية عاملة في لبنان والأردن ودول الخليج العربي، ويمتلك المستثمر الأجنبي، وفق القانون الناظم لعمل المصارف الخاصة الصادر في 2001، حصة تقدر بـ 49 % من أسهم المصرف، مقابل 51 % للشريك السوري.
وبسبب البيئة التشغيلية المترديّة، اضطرت المصارف إلى إعطاء أولوية مطلقة لإدارة المخاطر كقرار بديهي في ظروف الصراعات العسكرية والفوضى الاقتصادية، إضافة لذلك تأقلم المصارف مع التطورات السياسية والأمنية وتبادل التجارب مع المصارف الشريكة لها خارجياً، لتتخذ القرارات الملائمة على ضوء التطورات اليومية للتأقلم معها، إضافة لإحجام المصارف عن تنشيط الاقتصاد المحلي رغم لامتلاكها ودائع كبيرة تخولها توسيع مظلتها الائتمانية، لكن التسهيلات الائتمانية كانت تمثل نحو 60 % من إيداعات العملاء عام 2010، لتتراجع لأقل من 36 % في العام ما قبل الماضي، ومن المعروف أن التسهيلات الائتمانية أحد المؤشرات الدالة على مدى مساهمة المصارف في النشاط الاقتصادي للبلد عامة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...