التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سوريون واكتشاف "رأس سنتهم" المفاجئ


منذ أن وعينا على هذه الدنيا، كان الأول من نيسان يومًا للبهجة والمرح، عيدًا للكذب البريء الذي نمارس فيه المقالب الخفيفة على من نحب، ونتبادل الضحكات دون أن يحمل الأمر أي ضغينة. كنا نستمتع بتلك اللحظة السنوية التي يُباح فيها شيء من الخروج عن المألوف.

لكن فجأة، وبقدرة قادر، اكتشفنا نحن السوريون أن الأول من نيسان ليس مجرد يوم للمرح، بل هو رأس السنة السورية! فجأة ظهرت طائفة سورية تحتفل بهذا العيد، وفجأة تحول يوم الكذبة العالمي إلى مناسبة قومية سورية للاحتفال ببداية عام جديد.

والأكثر غرابة، أن هذا التحول لم يتوقف عند تغيير المسمى والنية، بل امتد ليصبح عيدًا للنفاق السوري الذي لا ينتهي. فالأشوريون، الذين يمتد وجودهم على هذه الأرض السورية لأكثر من خمسة آلاف عام، أصبحوا اكتشافًا جديدًا في حياتنا!

عيد الكذب الذي احتفلت به جميع شرائح المجتمع السوري، والذي كانت تحتفي به البرامج التلفزيونية سابقًا، أصبح وجوده، حسب ادعاءات "المكتشفين الجدد"، مرتبطًا بالفرنسيين أو الحكومات التي تلتهم، ولهذا السبب تحديدًا يجب أن نتركه لأنه "ليس منا"!

في البداية، كدت أكتفي بمعايدة أصدقائي (الأشوريين المفترضين، حيث أنني شخصيًا لا أعرف منهم أحدًا) بعبارة "آكيتو برختيو"، التي لم أتعرف على معناها إلا من خلال صفحات التواصل الاجتماعي.

لكن السؤال الذي اقتحم حياتي بقوة هو: من اكتشف الأشوريين فجأة في حياتنا السورية؟ ومن اكتشف أن لديهم عيدًا؟ وأن هناك رأس سنة سورية؟ وهل نحن حقًا جديرون بالتعددية التي نتغنى بها دائمًا؟ أم أن علينا أن نعيد قراءة حياتنا الحالية وتاريخنا السوري برمته من جديد؟

إن هذا التحول المفاجئ يثير أكثر من علامة استفهام. أين كانت هذه "الحقيقة" التاريخية مغيبة عنا طوال هذه السنوات؟ وكيف يمكن لعيد عالمي معروف بطابعه الفكاهي أن يتحول بين ليلة وضحاها إلى رمز لهوية طائفة معينة ورأس سنة قومية؟

الأمر لا يتعلق بالاحتفاء بثقافة أو تاريخ أي مكون من مكونات المجتمع السوري، فهذا أمر محمود وضروري لتعزيز التنوع والوحدة الوطنية الحقيقية. بل يتعلق بالاصطناع المفاجئ لهوية وعيد، وربطهما بتاريخ عريق لم يكن حاضرًا في الوعي الجمعي بهذه الطريقة من قبل.

يبدو الأمر وكأننا نبحث عن أي قشة نتشبث بها لتمييز أنفسنا أو لإيجاد بديل لما اعتبرناه "دخيلًا". لكن هل يمكن بناء هوية حقيقية على أساس من الإنكار المفاجئ لتاريخ مشترك، والاحتفاء بمكون لم يكن حاضرًا بنفس الزخم في الذاكرة الجمعية؟

إن التعددية الحقيقية لا تكمن في اختلاق رموز جديدة بشكل مصطنع، بل في الاعتراف الصادق بجميع مكونات المجتمع وتاريخها وتراثها، ودمجها في نسيج وطني واحد. إنها تتطلب فهمًا عميقًا لتاريخنا المشترك، وتقديرًا حقيقيًا لتنوعنا الغني، لا البحث عن نقاط اختلاف مفاجئة للانعزال أو التمايز الزائف.

السؤال الذي يلح عليّ هو: هل هذا الاحتفاء المفاجئ برأس السنة الأشورية هو فعل نابع من احترام حقيقي لهذا المكون العريق، أم أنه مجرد موجة عابرة من "الموضة الهوياتية" التي سرعان ما ستزول؟ وهل نحن قادرون على تجاوز سطحية الاحتفاء اللحظي إلى فهم أعمق وتقدير دائم لتراثنا المتنوع؟

في النهاية، يبقى الأمل معلقًا على أن يكون هذا "الاكتشاف" المتأخر للأشوريين وعيدهم بداية لتعميق فهمنا وتقديرنا الحقيقي لتعددية مجتمعنا السوري، لا مجرد فصل جديد في كتاب النفاق الهوياتي الذي لا ينتهي.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...