لم يخطر ببالي يومًا أن أجدني في موقف
المدافع عن مطرب أو فنان بعينه، فجّل ما أكنّه هو إعجاب عابر بلحنٍ عذب، أو موسيقى
آسرة تأخذ بالألباب. لكن ما جرى لي منذ أيام قلبت موازين تفكيري، وطرحت عليّ
سؤالًا لم أكن أتوقعه: هل يقتصر التطرف على الدين والسياسة وكرة القدم فحسب، أم أن
للتطرف الغنائي جذورًا تمتد بيننا؟
بدأت الشرارة في اجتماع عابر مع أحد
الأشخاص، حين انطلق في سرد مطوّل لمناقب ومحاسن مغني الحفلات الصاخبة "علي
الديك"، وكأنه أحد قامات هذا العصر الذي لا يُضاهى. في نظره، كانت جميع حفلات
الديك بمثابة كرنفال من الدبكة والرقص وصخب الكؤوس المترعة.
لم أجادل في قناعته الراسخة، واكتفيت
بجملة موجزة: "علي الديك مجرد مطرب أعراس، لا موسيقى تترنم بها الروح، ولا
كلمات تأخذنا في رحلة مع معانيها."
هنا، تجلى التعصب في أبهى صوره. كيف
لي، وأنا السوري مثله، أن أصف مطربًا سوريًا بهذه الصفات؟ ألم يحتل الديك الساحة
الفنية السورية لسنوات طوال؟ بل تحداني أن أحضر إحدى حفلاته، وألا أجدني أرقص أو
"أدبك" على أنغامه، حتى أنه بلغ في تعصبه حد وصفه بأنه أعظم من قيصر
الغناء كاظم الساهر وأهم من أسطورة الصباح فيروز.
لم أكن يومًا من المتعصبين لرأي أو
لشخص، لكن أن تصل المقارنة إلى هذا المستوى غير المنطقي، لم أملك إلا أن أبدأ في
تعداد الفروقات الشاسعة بين هؤلاء القامات الفنية:
كلا الساهر وفيروز صدحا بأشعار وقصائد
عميقة المعنى، وأنا على يقين تام بأن "الديك" لا يعرف سوى الصياح في
أجواء الأعراس الصاخبة.
كلاهما أطرب وأبكى وأمتع في أدائه،
بينما لم يستطع "الديك" تجاوز حدود الصراخ والقفز على إيقاع الطبول
البدائي.
كلا الساهر وفيروز أبدعا في غناء
القصيدة الشعبية والتراثية والرومانسية الحديثة، وأسكرا مسامع من يستمع إليهما...
ولا مجال للمزيد من الوصف هنا.
كلاهما غنى ضمن المقامات الغنائية
الأصيلة، ولم يترددا في الخروج عنها ببراعة في أوقات كثيرة... ولا أعتقد أن
"الديك" يلتزم بأي مقام موسيقي معروف.
الساهر لحّن أغانيه ببراعة ساحرة، فيما
أصبح صوت فيروز ظاهرة صباحية لا يكتمل بها النهار إلا سحرًا وجمالًا.
وللأمانة، يمثل "الديك"
لونًا من التراث البسيط للمواطن البسيط، الذي كل ما يريده هو الاحتفال والتعبير عن
فرحته بطريقته العفوية.
ولم أذكر بالطبع أن صعود
"الديك" في فترات معينة أصبح أشبه بالفرض بأمر القوى الأمنية، بينما
ترسخ اسم الساهر وفيروز في قلوب الناس بقوة الكلمة واللحن والإحساس الصادق.
وانتهى هذا الحديث المتعصب بصوت أم
كلثوم العذب يتجول بيننا، ليذكرنا بقيمة الفن الراقي الذي يتجاوز حدود التعصب
والتطرف. إن الإعجاب بالفن يجب أن يكون نابعًا من جماله وقيمته الحقيقية، لا من
التعصب الأعمى أو الترويج القسري.
تعليقات
إرسال تعليق