التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"الحاكورة" في درعا.. ملاذ الحياة والاكتفاء في زمن النزاعات


في محافظة درعا السورية، يتجاوز معنى كلمة "الحاكورة" مجرد مساحة أرض صغيرة خلف المنزل. إنها أشبه بواحة خضراء مكتظة بأنواع من الخضراوات الطازجة، غالبًا ما تجاورها أصوات دجاج ناهض وحركات هادئة لبقرة أو خروف أو ماعز. في ظل الظروف القاسية التي عصفت بالمنطقة، أصبحت "الحاكورة" أقرب وأكثر أهمية لسكان ريف درعا من أي تطورات أو أحداث تجري حولهم.

فرغم أن درعا تتمتع بأراض زراعية واسعة خصبة، إلا أن ميل الأهالي نحو هذه البقعة الصغيرة الملاصقة لبيوتهم يحمل دلالات عميقة. "أثناء القصف أو المعارك الدائرة، نستطيع أن نتناول ما نريد مما نزرع قرب المنزل، أما أراضينا البعيدة قد تمر الأيام والأسابيع ولا نستطيع أن نقترب منها"، يوضح "هشام.ع" بمرارة. ويضيف: "بعض السكان لا يعرفون ماذا حلّ بأراضيهم منذ أكثر من عامين أو ثلاثة أعوام، فهي مع الطرف الآخر".

يُشير "الطرف الآخر" هنا إلى الانقسام الحاد الذي تعيشه المنطقة، فقد يكون قوات النظام أو الفصائل المسلحة المعارضة. "ففي كافة الأحوال، إن كان السكان في مناطق النظام لا يجرؤون على أن يذهبوا لمناطق الفصائل المعارضة، وإن كانوا في مناطق المعارضة المسلحة لا يمكنهم الذهاب لمناطق النظام"، يتابع هشام.

ويصف "الحاكورة" بأنها "المكان المفضل لدى السكان، ففيها تستطيع أن تزرع الخضروات، وفيها أيضاً تضع الحيوانات، إضافة لتمضية النهار في ظل حظر التجوال في بعض الأيام". إنها ليست مجرد مصدر للغذاء، بل فضاء آمن نسبيًا وملجأ من وطأة الأحداث.

"العودة للأرض هي السبيل الوحيد الذي حافظ على حياتنا"، يؤكد "باسم.س" بنبرة واقعية. "فتمر أيام كثيرة لا نستطيع أن نشتري ربطة خبز، أو أنواع معينة من الخضراوات لارتفاع أسعارها وندرتها إضافة لجشع التجار، كل ذلك جعلنا نعود للأرض لنزرعها من جديد ونربي الأغنام والدجاج". لقد أصبحت هذه البقعة الصغيرة خط الدفاع الأول في مواجهة شبح الجوع ونقص المؤن.

ويشير "عبد الله.ع" إلى أهمية المحاصيل السنوية: "المحاصيل السنوية من القمح والعدس وحتى الشعير والحمص هي المونة الأساسية لدى السكان، فيقوموا بجنيها أثناء فصل الصيف، ليعيشوا بمردود جزء منها، ويخزنوا الجزء الباقي". بالإضافة إلى ذلك، تعتمد بعض الأسر على تربية وتجارة المواشي، مستفيدين من بيع اللحوم والحليب.

لقد أدت هذه الظروف الصعبة إلى نشوء اقتصادات محلية بسيطة. "يرى عبد الله أن القرى والبلدات أوجدت أسواقاً محلية، فصاحب البقرة يبيع الحليب، ومن لديه فائض من الخضراوات يبيعها، وأغلب الأحيان يتقايضان فيما بينهما، لتعيش القرى والبلدات حياة ما قبل النقود في بعض الأيام". إنها عودة قسرية إلى أشكال بدائية من التبادل، لكنها تضمن استمرار الحياة.

الناشط الإعلامي مشعل الحريري يرى أن "تربية الماشية وزراعة الخضراوات التي يقوم بها السكان المحليون هي السبب في بقاء الكثير منهم على قيد الحياة وتخفيف معاناتهم، فالمساعدات الإنسانية بالكاد تصل، وإن وصلت لبعض السكان، ولعدد من الأيام فقط".

ويضيف الحريري أن "الكثير من العائلات لا تطلب المساعدة من الهيئات الإغاثية أو الإنسانية، فالاكتفاء الذاتي الذي تعيشه من خلال أعمالهم الزراعية، يجعلهم يفكرون بتطوير أدواتهم فقط، لا الحاجة لمساعدات". لقد أوجدت الضرورة حلولًا محلية، وأصبح الاعتماد على الذات خيارًا استراتيجيًا للبقاء.

كما أن "الأسعار المرتفعة وندرة المحروقات خلقت لدى الأهالي الكثير من الأفكار ليستمروا بالحياة، بعيداً عن المساعدات في مناطق النظام من جهة، أو الاعتماد على المعونات من الفصائل المسلحة من جهة ثانية"، يوضح الناشط الإعلامي. لقد أصبحت "الحاكورة" وما تمثله من اكتفاء ذاتي رمزًا للصمود والقدرة على التكيف في وجه أصعب الظروف. إنها قصة أرض صغيرة استطاعت أن تكون شريان حياة لمجتمع مزقته النزاعات.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...