التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

التعويم في سوريا حالة طبيعية قابلة للاستقرار

يشهد المجتمع السوري اليوم تحولات عميقة في بنيته الثقافية والاجتماعية والسياسية، ويمكن وصف هذه الحالة بـ "التعويم الشامل" لمجموعة من المفاهيم والقيم التي كانت من المحظورات أو الخطوط الحمراء أو المغيبات سابقًأ. وهذا التعويم، وإن بدا للبعض فوضويًا أو غير منضبط، إلا أنه يحمل في طياته ملامح تحوّل ضروري، وربما قابل للاستقرار إذا ما أُدير بوعي ومسؤولية . لطالما عاش السوريون في ظل منظومة صارمة من الممنوعات، شملت الدين والسياسة والطوائف والإعلام وحتى التعبير عن الرأي في الشأن العام وأحياناً الخاص. فكانت المساجد مراقبة، والحديث عن الطائفية محرّمًا، والإعلام موجّهًا، والنقاشات السياسية محصورة في دوائر مغلقة جدًا. لكن اليوم، يبدو أن هذه الحواجز قد تآكلت، وبدأت تظهر ملامح مجتمع يتحدث في كل شيء، بلا خوف أو تحفظ . واليوم أيضًا لم يعد الحديث عن الطوائف والطائفية من المحظورات، بل أصبح جزءًا من النقاش العام، يُطرح في المقاهي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الجلسات العائلية... كذلك، لم تَعدّ العبادات محصورة في طقوس تقليدية، بل أصبحت تُمارس بحرية أكبر، وبأنماط أكثر تنوعًا.. والإعلام والص...

من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيله.. تداعيات إلغاء اتفاق فك الاشتباك في الجولان السوري

  تحدث وزير الإعلام السوري أول أمس على قناة العربية عن إلغاء اتفاق فك الاشتباك لعام 1974 بين سوريا وإسرائيل، وهو ما يُعد تطورًا بالغ الخطورة في سياق الصراع العربي - الإسرائيلي، أو الصراع السوري – الإسرائيلي إن صح التعبير، وله من التداعيات السياسية والعسكرية والأمنية كثير. بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وقع الجانبان السوري – الإسرائيلي اتفاق فك الاشتباك بوساطة أمريكية، ونص على وقف إطلاق النار بين الجانبين، وفصل القوات على جبهة الجولان، إضافة لإنشاء منطقة عازلة تخضع لمراجعة قوات الأمم المتحدة (يندوف)، وعده كثير من الخبراء أن هذا الاتفاق لم يكن اتفاق سلام، بل خطوة نحو سلام دائم في المستقبل. لكن مع سقوط نظام الأسد الهارب، في الثامن من ديسمبر 2024، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن انهيار هذا الاتفاق، بعد أن تخلى الجيش السوري عن مواقعه، وأمر نتنياهو الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على المنطقة العازلة والمواقع القيادة المجاورة لها. وما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي أدى لعدد من التداعيات، أولها التداعيات العسكرية والأمنية، إذ أن انهيار هذا الاتفاق؛ الذي حافظ على الهدوء ع...

حين نصنع الأسباب لنُرضي الرغبات

في لحظة ما، قد نجد أنفسنا نُبرر فعلًا ما، لا لأنه يستحق التبرير، بل لأننا ببساطة نريد فعله .. فلا يكون التبرير بحثًا عن الحقيقة أو محاولة لفهم الذات، بل يصبح أداة انتهازية، نُطوّع بها الواقع ونُعيد تشكيله كي يخدم رغباتنا، مهما كانت سطحية أو دنيئة ... لا ننتظر أن تبرر الحياة لنا أفعالنا، بل نُبادر إلى اختلاق الأسباب، ونُقنع بها الآخرين، وربما أنفسنا، بأن ما نفعله "ضروري" أو "مبرر". لكن الحقيقة أن هذه الأسباب ليست إلا أقنعة نُخفي بها دوافعنا الحقيقية، التي قد تكون أنانية، أو رغبة في السيطرة، أو حتى مجرد نزوة عابرة . في كثير من الأحيان، لا نجد سببًا منطقيًا لفعل ما نرغب فيه، فنلجأ إلى افتعال الظروف، أو تضخيم الأحداث، أو تحميل الآخرين مسؤولية قراراتنا، فقط لنُضفي على أفعالنا شرعية زائفة.. وهنا، يتحول التبرير إلى فن من فنون التلاعب، لا بالحقيقة فقط، بل بالضمير أيضًا . وكلما كانت الأفعال دنيئة أو مشبوهة، زادت حاجتنا إلى تبريرها، وكأننا نُدرك في أعماقنا أنها لا تستحق أن تُفعل، لكننا نُصرّ على فعلها، فنخترع لها أسبابًا تُخفي قبحها.. ويصبح التبرير وسيلة للهروب من مواجه...

إسرائيل تخسر بالحرب ما كانت ستكسبه بالسلام

اعتمدت إسرائيل منذ تأسيسها على القوة العسكرية، كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية والأمنية في المنطقة، لكن حروبها المتكررة ضد دول الجوار، وحملتها المستمرة منذ سنتين على قطاع غزة، وضعها في مواجهة مباشرة مع الشعوب، بالتوازي مع عزلتها الإقليمية والدولية. الوضع الراهن يشهد تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية على عدة جبهات، ويترافق ذلك مع خطاب سياسي متشدد يعكس توجهاً تصعيدياً.. ورغم توقيع بعض الاتفاقيات الرسمية مع الحكومات، إلى أن فرص التطبيع الشعبي تتراجع بشكل واضح إن لم تنتهِ بالنسبة للشعوب، نتيجة تنامي مشاعر الغضب والكراهية تجاه السياسيات الإسرائيلية المتطرفة، وغير الإنسانية. ومع ممارستها القوة، كقوة استيطان، تواصل ممارسة سردية الشعب المضطهد، في محاولة لتبرير سياساتها العسكرية المستمرة، دون اكتراث بالانتهاكات المستمرة التي ترتكبها ضد المدنيين، أو تقارير منظمات حقوق الإنسان التي تُثبت وبالأدلة جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بقيادة حكومة متطرفة. لم تعد الحرب خياراً استراتيجياً يحقق مكاسب لإسرائيل، بل يفاقم عزلتها ويزيد من الرفض الشعبي الإقليمي والعالمي لها، وبال...

المثقف السوري وطواحين الهواء التي لا تهدأ

  كان المثقف السوري، يواجه النظام السابق بالكتابة. رغم فقرها  في تلك الحقبة، إلا أن الإجراءات التي اتخذها ذاك النظام كانت تعسفية وقمعية لأبعد مدى.. واليوم في هذا المشهد السوري المعقد والمتهالك.. ما زال ذات المثقف وغيره، يواجه  النظام الحالي بالكتابات، دون أن يواجهه هذا النظام بذات الأدوات القديمة، بل نجده يعدل من القرارات والتوجهات والإجراءات التي يتخذها يومياً.. في حال لم تكن ذات جدوى.. ووجدت صدى معاكس لما أراد.. وبالمقابل ماذا يفعل هذا المثقف، يزداد حدة، ويعتقد أنه على حق في كل ما يطرح، ويقارن إجراءات النظام الحالي والحياة المتهالكة في سورية بالأنظمة المستقرة والدول المزدهرة والشعوب العاملة دون أزمات تُذكر. مثقف اليوم يقارن الواقع السوري المنهك بدولٍ مستقرة منذ عشرات السنين، وذات حكومات منتخبة، واقتصادات مزدهرة، وشعوب لا تعرف معنى الحرب أو الخوف من أخطار محيطة بها.. هذه المقارنات، رغم مشروعيتها من حيث الطموح، إلا أنها مجحفة من حيث الواقع.. لا يمكن مقارنة السوري الذي يعيش في خيمة على الحدود، بمن يحمل جنسية أوروبية ويعمل في بيئة مستقرة.. ولا مقارنة سوري عاش 14 عام من الخو...

في سوريا اليوم.. نقد بلا حدود وتشكيك بلا ضوابط

  يعرب العيسى الصحافي السوري في لقاء بودكاست قال: "سوريا اليوم أكثر حرية من سويسرا.. فهناك قد تُحاكم على الرأي المخالف لشخص، أما في سوريا اليوم فهناك فضاء مفتوح لا رقيب فيه ولا محاسبة" منذ الثامن من ديسمبر، تحول الفضاء السوري إلى ساحة من الآراء المختلفة.. وبات الاعتراض والهجوم على الإدارة السورية الحالية يُنظر إليه كعلامة على الحرية الشخصية... وبطاقة عبور إلى فضاء (الشفافية والواقعية).. لكن ما يثير القلق هو أن تتحول هذه الحرية إلى أداة للتشكيك في الآخر، في نواياه قبل أفعاله، وفي تاريخه قبل حاضره، وكأن من يشككون لا تاريخ لهم ولا مواقف سابقة . لا أحد يُطالب بمحبة الإدارة السورية الحالية، لكن من اللافت أن أكثر المنتقدين لها هم من كانوا بالأمس جزءًا من النظام؛ أو مواليه؛ أو رمادييه؛ أو معارضيه في الخارج، وبعضهم ظهرت طائفيتهم فجأة.. ورفضًت رفضاً قاطعًا للإدارة الجديدة، وكأنها لا تنتمي إليهم . .. فقط لأنها معارضة من خارج السياق المتوقع.. محاور الاعتراضات التي تتداولها وسائل التواصل تتلخص بين الدين والسياسة والطائفية..   أولها اتهام الإدارة الجديدة بالتشدد الديني المستتر.. و...

بين القيم القدسية والانهيار الأخلاقي.. الحب والزواج

في أحد النقاشات التي تبدأ بحوار بسيط؛ لتتحول بعد ذلك إلى معركة أفكار، وجدتُ نفسي أمام جدل مع صديق حول العلاقة بين الحب والزواج. كان رأيه أن العلاقات تُشرعن بالحب، والحب لا يوجد داخل إطار الزواج وإنما خارجه فقط، بل وذهب إلى أبعد من ذلك ليُشرعِن العلاقات الجنسية خارج الزواج بحجة أن "الحب يغفر كل شيء". فيما ظللتُ أؤكد أن الزواج هو الرابط الوحيد الذي يمنح العلاقة قدسيتها وشرعيتها، سواء في الدين أو الأخلاق، وأن ما يُبنى على الحرام يبقى حرامًا، حتى لو ارتبط الطرفان بزواج شرعي . . ادّعى صديقي أن الحب والزواج مثل قطبَي المغناطيس، لا يلتقيان أبدًا، بمعنى أن الزواج قد يكون علاقة جافة خالية من المشاعر، بينما الحب الحقيقي – في نظره – لا يحتاج إلى عقد أو شرعية مجتمعية. متجاهلًا حقيقة أن الإسلام والمجتمعات المحافظة – والشرقية عمومًا - قد ربطت بين الحب والزواج في إطار مقدس، إذ قد يكون الحب أساسًا للزواج، والزواج وسيلة لحماية الحب من العبث والانحراف . أما فصله بين المشاعر والشرعية، فهو نتاج ثقافة غربية تسعى إلى تحرير العلاقات من أي قيود دينية أو أخلاقية، تحت شعار "الجسد ملك لصاحبه...