يشهد المجتمع السوري اليوم تحولات
عميقة في بنيته الثقافية والاجتماعية والسياسية، ويمكن وصف هذه الحالة بـ "التعويم
الشامل" لمجموعة من المفاهيم والقيم التي كانت من المحظورات أو الخطوط
الحمراء أو المغيبات سابقًأ. وهذا التعويم، وإن بدا للبعض فوضويًا أو غير منضبط،
إلا أنه يحمل في طياته ملامح تحوّل ضروري، وربما قابل للاستقرار إذا ما أُدير بوعي
ومسؤولية.
لطالما عاش السوريون في ظل منظومة
صارمة من الممنوعات، شملت الدين والسياسة والطوائف والإعلام وحتى التعبير عن الرأي
في الشأن العام وأحياناً الخاص. فكانت المساجد مراقبة، والحديث عن الطائفية
محرّمًا، والإعلام موجّهًا، والنقاشات السياسية محصورة في دوائر مغلقة جدًا. لكن
اليوم، يبدو أن هذه الحواجز قد تآكلت، وبدأت تظهر ملامح مجتمع يتحدث في كل شيء،
بلا خوف أو تحفظ.
واليوم أيضًا لم يعد الحديث عن الطوائف
والطائفية من المحظورات، بل أصبح جزءًا من النقاش العام، يُطرح في المقاهي وعلى
وسائل التواصل الاجتماعي، وفي الجلسات العائلية... كذلك، لم تَعدّ العبادات محصورة
في طقوس تقليدية، بل أصبحت تُمارس بحرية أكبر، وبأنماط أكثر تنوعًا.. والإعلام
والصحافة الخاصة، الذي كان يومًا أداة للسلطة، بات اليوم ساحة مفتوحة، وإن كانت
غير متوازنة، للتعبير عن الرأي والاحتجاج والنقد..
ما يحدث في سوريا يمكن وصفه بأنه
"تعويم اجتماعي وسياسي واقتصادي"، أي حالة من الانفتاح غير المنضبط على
كل القضايا كحالة من الحرية المطلقة، دون وجود مرجعية واضحة أو قواعد ناظمة...وهذه
الحالة، بما تحمله من ارتباك، تُعدّ ضرورية في سياق الانتقال من مجتمع مغلق إلى
مجتمع أكثر حرية وتعددًا.
التعويم ليس فوضى بالضرورة، بل هو
مساحة لإعادة تعريف المفاهيم، واختبار الحدود، وتفكيك البنى القديمة التي لم تعد
صالحة... إنه أشبه بمرحلة ما قبل التأسيس، إذ يُعاد تشكيل الوعي الجمعي، وتُطرح
الأسئلة الكبرى حول الهوية والانتماء والدولة والمواطنة والدين والاقتصاد..
ومن الضرورة ذكر الجانب الاقتصادي من
التعويم والذي لا يقل أهمية عن الجوانب الأخرى... فالسوريون اليوم يعيشون في ظل
اقتصاد غير مستقر، تتغير فيه الأسعار يوميًا، وتُطرح فيه العملات الأجنبية (الدولار
والليرة التركية) كبدائل، وتُعاد فيه صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن في ما
يتعلق بالدعم والضرائب والعمل... وهذا التعويم الاقتصادي، رغم قسوته، قد يكون
مقدمة لإصلاحات جذرية، إذا ما تم التعامل معه برؤية واضحة.
لنقف هنا عند السؤال.. هل يمكن أن
يستقر التعويم؟
الاستقرار
في ظل التعويم ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب شروطًا أساسية كالإطار القانوني المرن؛ والعادل الذي ينظم الحريات ويمنع
الانزلاق نحو الفوضى أو العنف، إضافة لدور الإعلام المستقل والمسؤول الذي يساهم في بناء وعي نقدي، لا
في تأجيج الانقسامات... ولا بد أن نذكر أهمية النظام التعليمي الحديث الذي يُعيد تشكيل العقل الجمعي على
أُسّس التفكير الحرّ والانفتاح... والإرادة السياسية الحقيقية
في بناء دولة مدنية، تتسع للجميع، وتُدار بالمؤسسات لا بالأشخاص.

تعليقات
إرسال تعليق