التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

حين نصنع الأسباب لنُرضي الرغبات

في لحظة ما، قد نجد أنفسنا نُبرر فعلًا ما، لا لأنه يستحق التبرير، بل لأننا ببساطة نريد فعله .. فلا يكون التبرير بحثًا عن الحقيقة أو محاولة لفهم الذات، بل يصبح أداة انتهازية، نُطوّع بها الواقع ونُعيد تشكيله كي يخدم رغباتنا، مهما كانت سطحية أو دنيئة ... لا ننتظر أن تبرر الحياة لنا أفعالنا، بل نُبادر إلى اختلاق الأسباب، ونُقنع بها الآخرين، وربما أنفسنا، بأن ما نفعله "ضروري" أو "مبرر". لكن الحقيقة أن هذه الأسباب ليست إلا أقنعة نُخفي بها دوافعنا الحقيقية، التي قد تكون أنانية، أو رغبة في السيطرة، أو حتى مجرد نزوة عابرة . في كثير من الأحيان، لا نجد سببًا منطقيًا لفعل ما نرغب فيه، فنلجأ إلى افتعال الظروف، أو تضخيم الأحداث، أو تحميل الآخرين مسؤولية قراراتنا، فقط لنُضفي على أفعالنا شرعية زائفة.. وهنا، يتحول التبرير إلى فن من فنون التلاعب، لا بالحقيقة فقط، بل بالضمير أيضًا . وكلما كانت الأفعال دنيئة أو مشبوهة، زادت حاجتنا إلى تبريرها، وكأننا نُدرك في أعماقنا أنها لا تستحق أن تُفعل، لكننا نُصرّ على فعلها، فنخترع لها أسبابًا تُخفي قبحها.. ويصبح التبرير وسيلة للهروب من مواجه...

إسرائيل تخسر بالحرب ما كانت ستكسبه بالسلام

اعتمدت إسرائيل منذ تأسيسها على القوة العسكرية، كوسيلة لتحقيق الأهداف السياسية والأمنية في المنطقة، لكن حروبها المتكررة ضد دول الجوار، وحملتها المستمرة منذ سنتين على قطاع غزة، وضعها في مواجهة مباشرة مع الشعوب، بالتوازي مع عزلتها الإقليمية والدولية. الوضع الراهن يشهد تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية على عدة جبهات، ويترافق ذلك مع خطاب سياسي متشدد يعكس توجهاً تصعيدياً.. ورغم توقيع بعض الاتفاقيات الرسمية مع الحكومات، إلى أن فرص التطبيع الشعبي تتراجع بشكل واضح إن لم تنتهِ بالنسبة للشعوب، نتيجة تنامي مشاعر الغضب والكراهية تجاه السياسيات الإسرائيلية المتطرفة، وغير الإنسانية. ومع ممارستها القوة، كقوة استيطان، تواصل ممارسة سردية الشعب المضطهد، في محاولة لتبرير سياساتها العسكرية المستمرة، دون اكتراث بالانتهاكات المستمرة التي ترتكبها ضد المدنيين، أو تقارير منظمات حقوق الإنسان التي تُثبت وبالأدلة جرائم الحرب التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بقيادة حكومة متطرفة. لم تعد الحرب خياراً استراتيجياً يحقق مكاسب لإسرائيل، بل يفاقم عزلتها ويزيد من الرفض الشعبي الإقليمي والعالمي لها، وبال...

المثقف السوري وطواحين الهواء التي لا تهدأ

  كان المثقف السوري، يواجه النظام السابق بالكتابة. رغم فقرها  في تلك الحقبة، إلا أن الإجراءات التي اتخذها ذاك النظام كانت تعسفية وقمعية لأبعد مدى.. واليوم في هذا المشهد السوري المعقد والمتهالك.. ما زال ذات المثقف وغيره، يواجه  النظام الحالي بالكتابات، دون أن يواجهه هذا النظام بذات الأدوات القديمة، بل نجده يعدل من القرارات والتوجهات والإجراءات التي يتخذها يومياً.. في حال لم تكن ذات جدوى.. ووجدت صدى معاكس لما أراد.. وبالمقابل ماذا يفعل هذا المثقف، يزداد حدة، ويعتقد أنه على حق في كل ما يطرح، ويقارن إجراءات النظام الحالي والحياة المتهالكة في سورية بالأنظمة المستقرة والدول المزدهرة والشعوب العاملة دون أزمات تُذكر. مثقف اليوم يقارن الواقع السوري المنهك بدولٍ مستقرة منذ عشرات السنين، وذات حكومات منتخبة، واقتصادات مزدهرة، وشعوب لا تعرف معنى الحرب أو الخوف من أخطار محيطة بها.. هذه المقارنات، رغم مشروعيتها من حيث الطموح، إلا أنها مجحفة من حيث الواقع.. لا يمكن مقارنة السوري الذي يعيش في خيمة على الحدود، بمن يحمل جنسية أوروبية ويعمل في بيئة مستقرة.. ولا مقارنة سوري عاش 14 عام من الخو...

في سوريا اليوم.. نقد بلا حدود وتشكيك بلا ضوابط

  يعرب العيسى الصحافي السوري في لقاء بودكاست قال: "سوريا اليوم أكثر حرية من سويسرا.. فهناك قد تُحاكم على الرأي المخالف لشخص، أما في سوريا اليوم فهناك فضاء مفتوح لا رقيب فيه ولا محاسبة" منذ الثامن من ديسمبر، تحول الفضاء السوري إلى ساحة من الآراء المختلفة.. وبات الاعتراض والهجوم على الإدارة السورية الحالية يُنظر إليه كعلامة على الحرية الشخصية... وبطاقة عبور إلى فضاء (الشفافية والواقعية).. لكن ما يثير القلق هو أن تتحول هذه الحرية إلى أداة للتشكيك في الآخر، في نواياه قبل أفعاله، وفي تاريخه قبل حاضره، وكأن من يشككون لا تاريخ لهم ولا مواقف سابقة . لا أحد يُطالب بمحبة الإدارة السورية الحالية، لكن من اللافت أن أكثر المنتقدين لها هم من كانوا بالأمس جزءًا من النظام؛ أو مواليه؛ أو رمادييه؛ أو معارضيه في الخارج، وبعضهم ظهرت طائفيتهم فجأة.. ورفضًت رفضاً قاطعًا للإدارة الجديدة، وكأنها لا تنتمي إليهم . .. فقط لأنها معارضة من خارج السياق المتوقع.. محاور الاعتراضات التي تتداولها وسائل التواصل تتلخص بين الدين والسياسة والطائفية..   أولها اتهام الإدارة الجديدة بالتشدد الديني المستتر.. و...

بين القيم القدسية والانهيار الأخلاقي.. الحب والزواج

في أحد النقاشات التي تبدأ بحوار بسيط؛ لتتحول بعد ذلك إلى معركة أفكار، وجدتُ نفسي أمام جدل مع صديق حول العلاقة بين الحب والزواج. كان رأيه أن العلاقات تُشرعن بالحب، والحب لا يوجد داخل إطار الزواج وإنما خارجه فقط، بل وذهب إلى أبعد من ذلك ليُشرعِن العلاقات الجنسية خارج الزواج بحجة أن "الحب يغفر كل شيء". فيما ظللتُ أؤكد أن الزواج هو الرابط الوحيد الذي يمنح العلاقة قدسيتها وشرعيتها، سواء في الدين أو الأخلاق، وأن ما يُبنى على الحرام يبقى حرامًا، حتى لو ارتبط الطرفان بزواج شرعي . . ادّعى صديقي أن الحب والزواج مثل قطبَي المغناطيس، لا يلتقيان أبدًا، بمعنى أن الزواج قد يكون علاقة جافة خالية من المشاعر، بينما الحب الحقيقي – في نظره – لا يحتاج إلى عقد أو شرعية مجتمعية. متجاهلًا حقيقة أن الإسلام والمجتمعات المحافظة – والشرقية عمومًا - قد ربطت بين الحب والزواج في إطار مقدس، إذ قد يكون الحب أساسًا للزواج، والزواج وسيلة لحماية الحب من العبث والانحراف . أما فصله بين المشاعر والشرعية، فهو نتاج ثقافة غربية تسعى إلى تحرير العلاقات من أي قيود دينية أو أخلاقية، تحت شعار "الجسد ملك لصاحبه...

كنت بعرف.. انكشفتوا

  نعيش على هذه الأرض منذ طفولتنا، نلعب في أزقتها، ندرس في مدارسها، نكبر على بين جنباتها، ونظن في داخلنا أن من حولنا أقارب، وأخوة، وجيران، وأصحاب عمر. نحزن إذا ابتعد أحدهم عنا، ونفرح لهم إذا سعدوا، ونقتسم رغيف الحياة معهم حتى لو شحّ الزاد وضاق العيش. هكذا نشأنا، نظن أن ما بيننا ليس مجرد صداقات عابرة، بل روابط دم وأرض ونبض مشترك . ثم، وفي لحظة صادمة، تسمع أحدهم يقول : " كنت بعرف.. انكشفتوا" جملة واحدة، تحمل ثقل الخيانة والخذلان، وتفتح أبواب الشك والريبة على مصرعيها . ماذا يقصد حين يقول "انكشفتوا"؟ هل كنا متخفين؟ وممَّ كنا نُخفِي أنفسنا؟ وهل الذي انكشف هو حقيقتنا، أم تصوراته المسبقة عنا؟ حين يقول أحدهم "انكشفتوا"، فغالبًا ما يعني أنه كان يحمل تجاهنا شكًا ما، أو حكما خفيًا ينتظر اللحظة كي يُفجره. لحظة الأزمة، إذ لا يعبّر هذا القول عن صدمة، بل عن شماتة مستترة. كأنه يقول: "كنت أراقبكم بصمت، تنتظرون مني القبول، بينما كنت غير واثق بكم.. وها أنتم أثبتم ظنوني". ليس الخطر أن ينكشف المرء على حقيقته، بل أن يُساء فهم جوهره طوال عمره . . أن يظن من عَ...

الأهمية الاستراتيجية للمنطقة الجنوبية السورية من منظور إسرائيلي

تعد المنطقة الجنوبية من سوريا (سهل حوران وجبل العرب)، ذات أهمية استراتيجية مركزية للأمن القومي الإسرائيلي، وذلك لقربها الجغرافي من الجولان المحتل منذ العام 1967 (حرب الأيام الست)، وتقع هذه المنطقة مباشرة على الحدود السورية الإسرائيلية، ما يجعلها شريطاً عازلاً بالغ الأهمية والحساسية لأي تغيرات في التوازنات العسكرية أو السياسية. وترى إسرائيل أن أمنها يستدعي منع تموضع أي فصائل عسكرية أو وجود عسكري قوي، سواء من الجيش السوري، أو تنظيمات معارضة للجيش السورية والمدعومة من أطراف إقليمية أو فصائل موالية لإيران. كما يستدعي قطع خطوط الإمداد نحو لبنان، والحيلولة دون نقل الأسلحة أو المقاتلين من شرق سوريا (العراق – إيران) عبر الأراضي السورية إلى التنظيمات المعادية لإسرائيل كحزب الله وغيرها. كل ذلك، ورغم الحديث الإسرائيلي المتكرر عن حماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا، إلى أن الوقائع تُظهر بأن أمن الحدود الإسرائيلي أولاً، وهو يتقدم بشكل واضح على أي اعتبارات إنسانية أو طائفية، إذ أن الخطاب الإسرائيلي يستخدم الدروز كذريعة لتبرير عمليات جيشه العسكرية، وعمليات القصف المستمرة على المنطقة، وبالمقابل ت...