التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

المقهى

في تلك الليلة الضبابية، حيث ارتشفت الأحاديث أرواحنا المثقلة بهموم يوم طويل، جلست هي، كطيف ساحر تجسد في امرأة، تسافر بنظرها بيننا. كانت محاولة يائسة لملامسة أرواحنا المتعبة، تمد يدها الرقيقة بكأسها المترنح إلينا، وكأنها تقدم جرعة نسيان مؤقتة. عشرة أفواه متعطشة، وعشرون عينًا دامعة، تنتظر دورها في لعبة اليانصيب العبثية التي تديرها ببراعة. كل منا يمد يده المرتجفة، بعضنا بخجل يلفه كوشاح أسود، وآخر بجوع روحي ينهش في أعماقه، وثالث بعطش للذة يحرقه من الداخل. لم يوفروا فتاتًا مما جادت به من يدها الساحرة. كانت ناعمة الجسد، مستلقية أمام أعينهم الجائعة، تتلوى بإثارة تضرم في نفوسهم براكين الغرائز المكبوتة. نظراتهم كانت تريد أن تلتهمها قطعة قطعة، أن تستحوذ على كل ذرة من وجودها. لكن كلما اقتربوا منها، كلما حاولوا إمساك هذا الطيف المراوغ، كانت تمنحهم فمها كجرعة سحرية، يسكرون من ريقها العذب، ويدوخون في رقصة نشوانة تبعدهم عنها خطوة أخرى. تسوق الجميع الكلمات الدافئة من شفاهها الوردية، يرشفون ما تنطقه كجرعات نبيذ معتق، يدورون ويسكرون وينطلقون في عوالم خيالية بعيدة كل البعد عما عانوه لأيام السنة الطويل...

حين يصبح الألم هويتنا

نحن أمة فريدة، ربما في قدرتها الاستثنائية على التمسك بالألم. نتألم، ونبلغ من السعادة ذروتها حين نتألم، ونذرف الدموع غزيرة على آلامنا الراهنة وتلك التي ورثناها عن الأجيال السابقة. نتوجع لما فعله الآباء بنا، والأجداد، وأجداد الأجداد، بل وحتى ما قبل فجر الخليقة. فإن لم نجد في سجلات الماضي ما يكفي لإدماء قلوبنا، قفزنا بخيالنا المثقل إلى السيدة حواء، التي حملناها وزر هبوطنا إلى هذه الأرض الفانية. لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أننا نتألم بشغف، دون أدنى محاولة لتجاوز هذا العذاب المستمر، أو البحث عن جذور هذه الآلام لمعالجتها واقتلاعها من جذورها. نبدو وكأننا نستلذ بتقليب صفحات الماضي المؤلم، نستعيد تفاصيله الدقيقة، ونغذي به حاضرنا وكأنه الوقود الوحيد الذي يحركنا. ومصيبتنا الكبرى، تلك التي تكبلنا في دائرة مفرغة من الأسى، هي أننا لا ننسى أو نتناسى الألم أبدًا. بل على العكس، نصر إصرارًا عجيبًا على إظهار الوجع الذي ألم بنا، نعرضه على الملأ كأغلى مقتنياتنا، دون أدنى سعي لتضميده، لبلسمة جراحه، وللمضي قدمًا نحو مستقبلٍ قد يحمل في طياته بصيص أمل. يبدو وكأن الألم أصبح جزءًا أصيلًا من هويتنا، عل...

بين غربة اللحظة ووطن الروح

" أنا غريب وأنت غريب.. والتقينا الآن.. وسنفترق بعد لحظات.. ولن نلتقي مرة أخرى.. لذا أتمنى أن نكون صادقين.. لنفترق بذكرى طيبة. لا أريد أن أكذب ولا أن أحتال.. أريد صديقاً لثوانٍ دون عمليات تجميل." بهذه الكلمات، تبدأ حكايةٌ تتجاوز حدود الزمان والمكان، حكايةٌ عن البحث عن الصدق في زمن الزيف، وعن الوطن في عالمٍ يتغير . لم نكن يوماً جبناء، بل أردنا أن نعيش بلا مشكلات. لكن الصمت لم يكن حليفنا، فالعالم من حولنا لم يدعنا وشأننا، بل اقتحم أحلامنا وهدم كل أفكارنا. أجدني محاصراً بعيون من حولي، منهم من يصفني بالفاشل، ومنهم من يراني غامضاً، وآخرون يرمونني بالجنون. كلمات لا تنتهي، تدفعني نحو حافة الهاوية ، و كثير من الأحيان، يكون الرحيل هو الحل، أو ربما المواجهة المجنونة مع كل المجتمع . عندما قرأت جملة "السفر لا يحتاج إلى المال وإنما يحتاج إلى الشجاعة".. توقفت، وجهزت حقيبتي وتوكلت على الله. فكل يوم كنت أفكر بالماضي الكئيب الذي لفني، والمستقبل المجهول الذي ينتظرني إن بقيت مكاني.. لم أجد غير الرحيل، إلى أين؟ لا يهم. المهم أن أبدأ من جديد . هنا، حيث الأرض نفسها والدين نفسه، يس...

القوة والضعف

من أجمل اللحظات التي أشتري بها تكون من فقراء الحي ما أحتاجه، ومن أسوأها أن نبازرهم على القليل من النقود يربحونها، وفي ذات الوقت نرمي الآلاف في توافه الأمور. هو الحال اليومي الذي آراه مع البعض، آراه وأحاول أن أغيره بقدر ما أستطيع. فأحد الأشخاص - المتخمين مالياً - يزور وبشكل يومي الأسواق الشعبية، ليشتري بأرخص الأسعار، ويبازر ويتشاطر على البائعين الفقراء. دورة حياة البائع الفقير تبدأ من أرضه الصغيرة التي يعتني بها زراعةً ورياً وغيرها من حرق الأعصاب بانتظار الأمطار المناسبة لتخرج منتجاته بالشكل اللائق، ليبدأ بعدها رحلة التسويق عند الخامسة صباحاً، فهو ينطلق من قريته والتي تبعد نحو 5 إلى 25 كيلو متر عن مركز المدينة، حاملاً معه كل منتجاته، وطبعاً يحملها بباص القرية الممتلئ بالبائعين أمثاله. ليصل بنحو السادسة صباحاً فيبدأ بوضع منتجاته على طاولة خشبية مهترئة أو حديدة صدئة، تأخذ البلدية ضريبتها منه، إضافة لضريبة الأرباح غير الحقيقية، ويبقى على ذاك الحال من السادسة صباحاً حتى الثانية ظهراً. ليحمل ما تبقى لديه من منتجات ويتجه إلى قريته، سعيداً بما باع وحزيناً بما تبقى. قد نكون أقوياء على هذه...

علمٌ ممزق.. وحيرة طفلة سورية

" أي علم أرسم؟" سؤال بريء، لكنه يحمل في طياته وجع وطن. طفلة سورية في بلاد الغربة، ترى علمين يتنازعان على شاشة الأخبار، على صفحات التاريخ الممزق. علم ثلاثي النجوم الحمراء، يرفرف في سماء الدولة التي تستضيفها، وعلم أخضر بنجوم بيضاء، تراه في عيون والديها، في صور الذكريات، رمزًا لوطنٍ يحلمون بالعودة إليه. أشرتُ لها ببساطة: "ارسمي العلم الذي ترينه في بيتنا". فالكثير من السوريين المغتربين يحتفظون بعلم الاستقلال أو علم الثورة حالياً، يضعونه نصب أعين أطفالهم، علّه يوقظ فيهم جذورًا ضاربة في أرضٍ بعيدة، ويحيي أمل العودة المترنح. لكن حيرة الطفلة أعمق من مجرد اختيار ألوان. إنها ترى العالم الخارجي لا يعترف إلا بالعلم الأحمر، بينما قلبها الصغير يميل للعلم الأخضر، الذي يرتبط في مخيلتها بصورة "سوريا الحرة" التي تسمع عنها في حكايات أهلها . منذ أن لوّح المتظاهرون بالعلم الأخضر، انقسم المجتمع السوري إلى معسكرين. علمٌ يمثل الثورة الشعبية، المطالبة بالحرية والكرامة، والرافضة للنظام الحاكم. وعلمٌ آخر يلتف حول السلطة، يرى في الحراك تهديدًا لوحدة البلاد واستقرارها. كلاهما رف...

"آمين" في زمن التساؤلات: صلوات الجمعة وصدى الواقع المرير

في كل يوم جمعة، كان مشهد المساجد يتكرر في أرجاء بلادنا. يتوافد المسلمون لأداء صلاة الظهر، وقلوبهم معلقة بكلمات الخطيب التي تسبق الصلاة. وبعد أن يفرغ من خطبته، كانت عبارة ثابتة تتردد في أرجاء المسجد: "اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا". وبصوت واحد، كنا نرفع أكف الضراعة ونردد "آمين"، متمنين الأمن والسلام لأوطاننا، والصلاح والهداية لقادتنا وولاة أمورنا. لكن في داخلي، كانت تتزاحم أسئلة مستغربة، وذلك قبل عام 2011 وما حمله من تحولات جذرية. كيف لنا أن نطلب الأمن في أوطان كانت تنذر بالكثير من الاحتقان؟ وهل كان أئمتنا وقادتنا حقًا بتلك الدرجة من الفساد والفسق حتى يستوجبوا دعوة خاصة بالإصلاح الإلهي؟ وإن كانوا كذلك، فلماذا كانوا في مواقع المسؤولية والنفوذ؟ أسئلة بقيت معلقة في ذهني الصغير حتى جاء عام 2011 ليقدم لي إجابات قاسية وواضحة، لم تكن يومًا في حسباني. أتذكر جيدًا دعاء آخر كان يتردد على لسان الخطيب من على منبر المسجد: "اللهم أمحق اليهود..." وكنا نردد خلفه "آمين" بصدى عالٍ، إيمانًا منا بنصرة الحق على الباطل. لكن مع مرور السنوات، بد...

الأول.. وهم التفوق الزائف وإهمال الواقع

قد تبدو البداية غريبة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها حقيقة راسخة: غالبًا ما تتملكنا "عقدة الأول" عندما نشعر بالضعف أو التهميش. نسعى جاهدين لنتبوأ المركز الأول، وكأنه تعويض عن نقص نشعر به. أما الأقوياء حقًا، الواثقون من ذواتهم وقدراتهم، فلا يعنيهم كثيرًا المركز الذي يشغلونه على الخريطة، فهم يدركون بثقة أن الجميع يسيرون في فلك تأثيرهم. بالنظر إلى قائمة الدول التي اعترفت بالأمم المتحدة في عام 1945، نجد أن أغلبها كانت دولًا صغيرة، ضعيفة، رازحة تحت نير الاستعمار كما يُقال. لقد كانت تلك البداية بمثابة اعتراف دولي بوجودها، ربما كانت "المرتبة الأولى" في سلم الوجود المستقل آنذاك هدفًا مشروعًا. لكن "عقدة الأول" ما تزال متجذرة، خاصة لدى الدول الناشئة والصغيرة. نراها تستجدي المركز الأول في كل ميدان: في التنافسية العالمية، في مؤشرات الاقتصاد، في عدد الاختراعات والابتكارات، والقائمة تطول. يبدو وكأن الوصول إلى القمة هو جواز المرور إلى عالم الاعتراف والتقدير. لا شك أن سعي هذه الدول نحو الكمال لمواطنيها، والحرص على تقديم أفضل الخدمات لهم، هو أمر محمود ويدعو لل...