في كل يوم جمعة، كان مشهد المساجد يتكرر في أرجاء بلادنا.
يتوافد المسلمون لأداء صلاة الظهر، وقلوبهم معلقة بكلمات الخطيب التي تسبق الصلاة.
وبعد أن يفرغ من خطبته، كانت عبارة ثابتة تتردد في أرجاء المسجد: "اللهم آمنا
في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا".
وبصوت واحد، كنا نرفع أكف الضراعة ونردد "آمين"،
متمنين الأمن والسلام لأوطاننا، والصلاح والهداية لقادتنا وولاة أمورنا. لكن في
داخلي، كانت تتزاحم أسئلة مستغربة، وذلك قبل عام 2011 وما حمله من تحولات جذرية.
كيف لنا أن نطلب الأمن في أوطان كانت تنذر بالكثير من الاحتقان؟ وهل كان أئمتنا
وقادتنا حقًا بتلك الدرجة من الفساد والفسق حتى يستوجبوا دعوة خاصة بالإصلاح
الإلهي؟ وإن كانوا كذلك، فلماذا كانوا في مواقع المسؤولية والنفوذ؟
أسئلة بقيت معلقة في ذهني الصغير حتى جاء عام 2011 ليقدم لي
إجابات قاسية وواضحة، لم تكن يومًا في حسباني.
أتذكر جيدًا دعاء آخر كان يتردد على لسان الخطيب من على منبر
المسجد: "اللهم أمحق اليهود..." وكنا نردد خلفه "آمين" بصدى
عالٍ، إيمانًا منا بنصرة الحق على الباطل. لكن مع مرور السنوات، بدأت الشكوك تتسلل
إلى ذهني الطفولي. هل كانت الكلمة حقًا "امحق"؟ أم ربما كانت "ابني"؟
أو "حقق مراد"؟ بصراحة، تلاشى وقع الكلمة الحقيقية في ذاكرتي، أو ربما
لم تكن واضحة لي تمامًا في صغر سني.
دعاء آخر كان يتردد بقوة: "اللهم من أراد بالإسلام سوءًا
فانتقم منه يا رب واجعل تدبيره في تدميره." وكنا نهتف بـ "آمين"
بكل جوارحنا، متمنين أن يرد الله كيد الكائدين عن ديننا ومجتمعاتنا.
لكن المفارقة المؤلمة التي بتنا نراها اليوم، هي أن دولنا
العربية هي التي تتداعى وتتدمر، وحكامنا العرب هم من يتقاتلون ويسعون، بشتى الطرق،
لتدمير بلدانهم بأيديهم. فهل هم حقًا أولئك الذين أرادوا بالإسلام والمسلمين
سوءًا؟ صدقًا، حتى الآن لم أجد جوابًا شافيًا لهذا السؤال المحير.
لقد تحولت صلوات الجمعة، التي كانت مصدرًا للوحدة والرجاء، إلى
مرآة تعكس واقعًا مريرًا مليئًا بالتناقضات والتساؤلات العالقة. "آمين"
التي كنا نرددها ببراءة الطفولة تحمل اليوم في طياتها ألف علامة استفهام. هل كانت
دعواتنا تصيب الهدف؟ أم أننا كنا ندعو على أنفسنا دون أن ندري؟ يبقى السؤال معلقًا
في فضاء الذاكرة، شاهدًا على زمن تغيرت فيه المفاهيم وتبدلت الحقائق.
تعليقات
إرسال تعليق