نحن أمة فريدة، ربما في قدرتها الاستثنائية على التمسك بالألم.
نتألم، ونبلغ من السعادة ذروتها حين نتألم، ونذرف الدموع غزيرة على آلامنا الراهنة
وتلك التي ورثناها عن الأجيال السابقة.
نتوجع لما فعله الآباء بنا، والأجداد، وأجداد الأجداد، بل وحتى
ما قبل فجر الخليقة. فإن لم نجد في سجلات الماضي ما يكفي لإدماء قلوبنا، قفزنا
بخيالنا المثقل إلى السيدة حواء، التي حملناها وزر هبوطنا إلى هذه الأرض الفانية.
لكن المفارقة المؤلمة تكمن في أننا نتألم بشغف، دون أدنى محاولة
لتجاوز هذا العذاب المستمر، أو البحث عن جذور هذه الآلام لمعالجتها واقتلاعها من
جذورها. نبدو وكأننا نستلذ بتقليب صفحات الماضي المؤلم، نستعيد تفاصيله الدقيقة،
ونغذي به حاضرنا وكأنه الوقود الوحيد الذي يحركنا.
ومصيبتنا الكبرى، تلك التي تكبلنا في دائرة مفرغة من الأسى، هي
أننا لا ننسى أو نتناسى الألم أبدًا. بل على العكس، نصر إصرارًا عجيبًا على إظهار
الوجع الذي ألم بنا، نعرضه على الملأ كأغلى مقتنياتنا، دون أدنى سعي لتضميده،
لبلسمة جراحه، وللمضي قدمًا نحو مستقبلٍ قد يحمل في طياته بصيص أمل.
يبدو وكأن الألم أصبح جزءًا أصيلًا من هويتنا، علامة مميزة
نتوارثها جيلًا بعد جيل. نخاف من فقدانه، خشية أن نفقد معه شيئًا من تعريفنا
لأنفسنا. نتمسك به كأنه وسام شرف، يمنحنا شرعية الوجود في عالم قاسٍ.
لكن هذا التشبث المرضي بالوجع يعيق تقدمنا، ويشل قدرتنا على
التغيير. نبقى أسرى الماضي، مكبلين بسلاسل من المرارة والاستياء، عاجزين عن رؤية
الفرص المتاحة أمامنا، وعن بناء مستقبل أكثر إشراقًا لأبنائنا.
حان الوقت لأن نتوقف عن الاحتفاء بآلامنا، وأن ننظر إليها كجروح
تحتاج إلى علاج لا إلى استعراض. حان الوقت لأن نتعلم كيف نتجاوز الماضي، ثم نمضي
قدمًا بخطى واثقة نحو مستقبلٍ نصنعه بأيدينا، مستقبلٍ لا تحكمه أشباح الماضي
وأوجاعه، بل يضيئه الأمل والإصرار على التغيير. إن لذة العذاب لن تقودنا إلى أي
مكان سوى المزيد من الألم.
تعليقات
إرسال تعليق