في تلك الليلة الضبابية، حيث ارتشفت الأحاديث أرواحنا المثقلة بهموم يوم طويل، جلست هي، كطيف ساحر تجسد في امرأة، تسافر بنظرها بيننا. كانت محاولة يائسة لملامسة أرواحنا المتعبة، تمد يدها الرقيقة بكأسها المترنح إلينا، وكأنها تقدم جرعة نسيان مؤقتة. عشرة أفواه متعطشة، وعشرون عينًا دامعة، تنتظر دورها في لعبة اليانصيب العبثية التي تديرها ببراعة. كل منا يمد يده المرتجفة، بعضنا بخجل يلفه كوشاح أسود، وآخر بجوع روحي ينهش في أعماقه، وثالث بعطش للذة يحرقه من الداخل. لم يوفروا فتاتًا مما جادت به من يدها الساحرة.
كانت ناعمة الجسد، مستلقية أمام أعينهم الجائعة، تتلوى بإثارة تضرم في نفوسهم براكين الغرائز المكبوتة. نظراتهم كانت تريد أن تلتهمها قطعة قطعة، أن تستحوذ على كل ذرة من وجودها. لكن كلما اقتربوا منها، كلما حاولوا إمساك هذا الطيف المراوغ، كانت تمنحهم فمها كجرعة سحرية، يسكرون من ريقها العذب، ويدوخون في رقصة نشوانة تبعدهم عنها خطوة أخرى.
تسوق الجميع الكلمات الدافئة من شفاهها الوردية، يرشفون ما تنطقه كجرعات نبيذ معتق، يدورون ويسكرون وينطلقون في عوالم خيالية بعيدة كل البعد عما عانوه لأيام السنة الطويلة. كل واحد منهم يحمل في صدره قصة مثقلة بالأوجاع يريد أن يلفظها في ظلمة هذه الليلة، فيزيد من رشفات شفتيها، وينسى وراءه أكوام اللحم المكدسة في منزله، رمزًا لواقع باهت لا يروي الروح.
تعلو أصواتهم تدريجيًا، تصدح ضحكاتهم المكتومة، وتتمايل أجسادهم في رقصات مؤقتة للنسيان. وتزيد ابتسامتها الغامضة، وسخريتها الخفية منهم، وكأنها تتلذذ بهذا الاحتراق الداخلي. فجسدها الناعم اللين لا يعرف التعب من الدوران بين أيديهم المرتعشة، ولا يمل من تقبيلهم الواحد تلو الآخر، لتزيد من اشتعال أعصابهم ووقتهم الثمين الذي يتبخر في هذا الوهم.
لم تتعب من النظر إليهم بعيون واسعة، ولمسهم بلمسات خفيفة تبعث الرجفة في أوصالهم، وإرسال عطرها الآسر إليهم كسهام تخترق قلوبهم، والاقتراب منهم بخطوات محسوبة تزيد من لهيب الشوق. حتى أفرغت ما بجعبتها من سحر مؤقت، وروت ظمأهم الوهمي، ثم رماها الجميع جانبًا، وتناولوا زجاجة مشروب أخرى، باحثين عن نشوة جديدة تنسيهم فراغ الروح الذي لم تملأه هي يومًا.
كُتبت يوم 1/1/2014
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
تعليقات
إرسال تعليق