قد تبدو البداية غريبة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها
حقيقة راسخة: غالبًا ما تتملكنا "عقدة الأول" عندما نشعر بالضعف أو
التهميش. نسعى جاهدين لنتبوأ المركز الأول، وكأنه تعويض عن نقص نشعر به. أما
الأقوياء حقًا، الواثقون من ذواتهم وقدراتهم، فلا يعنيهم كثيرًا المركز الذي
يشغلونه على الخريطة، فهم يدركون بثقة أن الجميع يسيرون في فلك تأثيرهم.
بالنظر إلى قائمة الدول التي اعترفت بالأمم المتحدة في عام
1945، نجد أن أغلبها كانت دولًا صغيرة، ضعيفة، رازحة تحت نير الاستعمار كما يُقال.
لقد كانت تلك البداية بمثابة اعتراف دولي بوجودها، ربما كانت "المرتبة
الأولى" في سلم الوجود المستقل آنذاك هدفًا مشروعًا.
لكن "عقدة الأول" ما تزال متجذرة، خاصة لدى الدول
الناشئة والصغيرة. نراها تستجدي المركز الأول في كل ميدان: في التنافسية العالمية،
في مؤشرات الاقتصاد، في عدد الاختراعات والابتكارات، والقائمة تطول. يبدو وكأن
الوصول إلى القمة هو جواز المرور إلى عالم الاعتراف والتقدير.
لا شك أن سعي هذه الدول نحو الكمال لمواطنيها، والحرص على تقديم
أفضل الخدمات لهم، هو أمر محمود ويدعو للفخر. لكن هذا الهاجس الدائم بالمركز الأول
غالبًا ما يأتي على حساب متطلبات يومية أكثر إلحاحًا وأهمية:
1.
الفروقات
الاجتماعية بين الأجيال واتساع الهوة فيما بينهم: قد يستغرب البعض هذا الربط، لكن
الحقيقة أن الأجيال الشابة تستوعب أي تطور تكنولوجي أو فكري بمجرد ظهوره، وتتعامل
معه كأمر طبيعي. في المقابل، ينظر أصحاب الأعمار الأكبر إلى أنفسهم على هامش هذا
التطور المتسارع، يشعرون بالتخلف عن الركب، مما يخلق فجوة اجتماعية وثقافية عميقة
يصعب ردمها بسبب التركيز الأحادي على "المركز الأول" في مؤشرات التطور.
2.
الأعباء
المالية المتزايدة: التطور الحقيقي يتطلب استثمارات ضخمة وأموالًا طائلة. هذا
السعي المحموم نحو المركز الأول غالبًا ما يُترجم إلى فرض المزيد من الرسوم
والضرائب وغيرها من الأعباء المالية التي تُسحب من جيوب العاملين في تلك الدول،
مما يؤثر سلبًا على مستوى معيشتهم اليومي ويخلق حالة من الاستياء الصامت.
3.
التزييف
ووهم الإنجاز: إحدى السمات الخطيرة التي قد تصاحب السعي نحو "المركز
الأول" هي الميل نحو التزييف وتجميل الحقائق. الوصول إلى المراكز المتقدمة
يتطلب عملًا دؤوبًا وإتقانًا حقيقيًا واستمرارية يومية في الحفاظ على هذا المستوى.
وهنا تكمن المشكلة، فتشييد الأبراج الشاهقة لا يعني بالضرورة أننا نملك بنية تحتية
متينة أو اقتصادًا قويًا. فعندما تهب العواصف الاقتصادية أو الاجتماعية، تتداعى
أطراف هذه "الأبراج" المزيفة، ليتحول معلم الفخر السابق إلى مصدر قلق
وخوف على المستقبل.
إن التركيز المفرط على "عقدة الأول" قد يقودنا إلى
بناء واجهات براقة تخفي وراءها هشاشة عميقة. الأقوى حقًا ليس من يسعى دائمًا
للتربع على القمة، بل من يبني أساسًا متينًا يضمن استقرار ورفاهية شعبه على المدى
الطويل، بغض النظر عن المركز الذي يشغله على الخريطة العالمية. القوة الحقيقية
تكمن في الداخل، في تلبية احتياجات المواطنين اليومية، وفي بناء مجتمع متماسك
وقادر على مواجهة التحديات، لا في مطاردة وهم التفوق الزائف.
تعليقات
إرسال تعليق