"أنا
غريب وأنت غريب.. والتقينا الآن.. وسنفترق بعد لحظات.. ولن نلتقي مرة أخرى.. لذا
أتمنى أن نكون صادقين.. لنفترق بذكرى طيبة. لا أريد أن أكذب ولا أن أحتال.. أريد
صديقاً لثوانٍ دون عمليات تجميل." بهذه الكلمات، تبدأ حكايةٌ تتجاوز حدود
الزمان والمكان، حكايةٌ عن البحث عن الصدق في زمن الزيف، وعن الوطن في عالمٍ يتغير.
لم نكن يوماً جبناء، بل أردنا أن نعيش بلا مشكلات. لكن الصمت لم
يكن حليفنا، فالعالم من حولنا لم يدعنا وشأننا، بل اقتحم أحلامنا وهدم كل أفكارنا.
أجدني محاصراً بعيون من حولي، منهم من يصفني بالفاشل، ومنهم من يراني غامضاً، وآخرون
يرمونني بالجنون. كلمات لا تنتهي، تدفعني نحو حافة الهاوية، وكثير من الأحيان، يكون الرحيل هو
الحل، أو ربما المواجهة المجنونة مع كل المجتمع.
عندما قرأت جملة "السفر لا يحتاج إلى المال وإنما يحتاج
إلى الشجاعة".. توقفت، وجهزت حقيبتي وتوكلت على الله. فكل يوم كنت أفكر
بالماضي الكئيب الذي لفني، والمستقبل المجهول الذي ينتظرني إن بقيت مكاني.. لم أجد
غير الرحيل، إلى أين؟ لا يهم. المهم أن أبدأ من جديد.
هنا، حيث الأرض نفسها والدين نفسه، يسألني أحدهم عن معنى الوطن.
أجيبه: "هو الأرض والذكريات، هو العائلة." لكنه بسخرية يجيب:
"العائلة تأخذها حيثما تريد، والذكريات تصنعها، والأرض هي كما هي لا ولن تتغير."
ثم يختتم: "الوطن هو نحن.. حيثما كنا هو الوطن.. تكون الحياة." لجمتني
إجابته، وأفقدتني اندفاعي في الدفاع عن وطن عشت وتربيت فيه، وملأت ذاكرتي من
حاراته وناسه. لكنه محق.
عندما تركت وطني الجديد لوطني القديم، اتهمني الجميع بالجنون.
حتى أبي الذي حببني بالوطن، قال عني "المجنون". لم تختفِ الكلمة بين
تلافيف مخي، بل طافت لتحتل كل كياني، وتجعلني أبكي. كيف لمن علمني حب الوطن يتهمني
بالجنون لأني عدت للوطن؟ تركت الوطن لأبحث عن وطن. بعد كل هذه السنين التي تزيد عن
ربع قرن، كانت المفاجأة لي أني لا أنتمي لوطن، ولا حتى لأرض. أضيع بين حنايا
ذكرياتي كثيراً، ودموعي تشدني إلى بيتي الذي تركته مع أشخاص لا أعرفهم ولم أرهم في
حياتي.
كتبي التي جمعتها بقصص، لم أستطع أن آخذها معي. الشوارع التي
تعرفني كأحد أخلص أبنائها، والناس التي ابتسمت لي كثيراً، كلهم ليسوا وطني.. فأين
وطني إن لم تكن الأرض التي دمعت عيني لنشيدها وأقسمت في يوم على الدفاع عنها، ثم
تركتها؟ تركت جزءاً من وطن، أو جزءاً من ذكريات، لأبدأ بصناعة ذكريات جديدة، وحياة
جديدة بعيداً عن الدماء التي امتزجت فجأة بجنون مخبأ لعشرات السنين.
لم تكن ذكرى رحلة الأقدام في لحظة التيه والإفلاس جيدة، ولم تكن
سيئة. هناك حيث ضعت في مكان لا أعرفه، بنقود بالكاد تكفي إيجار طريق، والجنون
المصاحب لي كان العون فيما حصل. هناك حيث لا أدري أين أنا، وفي ليلة لم أعرف ما
كنهها، نمت في الطريق، واغتسلت حيث لا أدري. وبباقي نقودي نمت في الفندق، مخاطراً
بمسيرة تتجاوز الساعات الثلاث بالمركبة، لأحصل على ليلة هادئة بعد جنون أيام لا
تنتهي.
لم أعرف نفسي إلا وأنا أتمتع بما أعمل. لم أعتد العمل إلا بما
يمتعني ويشعرني بالراحة. دائماً الصعوبات التي أختار تكون لمرة واحدة. هي هي لا
تختلف الحياة، ولا تتغير.
01/09/2013
تعليقات
إرسال تعليق