"أي
علم أرسم؟" سؤال بريء، لكنه يحمل في طياته وجع وطن. طفلة سورية في بلاد
الغربة، ترى علمين يتنازعان على شاشة الأخبار، على صفحات التاريخ الممزق. علم
ثلاثي النجوم الحمراء، يرفرف في سماء الدولة التي تستضيفها، وعلم أخضر بنجوم
بيضاء، تراه في عيون والديها، في صور الذكريات، رمزًا لوطنٍ يحلمون بالعودة إليه.
أشرتُ لها ببساطة: "ارسمي العلم الذي ترينه في
بيتنا". فالكثير من السوريين المغتربين يحتفظون بعلم الاستقلال أو علم الثورة
حالياً، يضعونه نصب أعين أطفالهم، علّه يوقظ فيهم جذورًا ضاربة في أرضٍ بعيدة،
ويحيي أمل العودة المترنح. لكن حيرة الطفلة أعمق من مجرد اختيار ألوان. إنها ترى
العالم الخارجي لا يعترف إلا بالعلم الأحمر، بينما قلبها الصغير يميل للعلم
الأخضر، الذي يرتبط في مخيلتها بصورة "سوريا الحرة" التي تسمع عنها في
حكايات أهلها.
منذ أن لوّح المتظاهرون بالعلم الأخضر، انقسم المجتمع السوري
إلى معسكرين. علمٌ يمثل الثورة الشعبية، المطالبة بالحرية والكرامة، والرافضة
للنظام الحاكم. وعلمٌ آخر يلتف حول السلطة، يرى في الحراك تهديدًا لوحدة البلاد
واستقرارها. كلاهما رفع شعار حب الوطن، لكنهما رأيا طريقهما إليه مختلفًا.
وكلما سقط ضحية، يرتفع علمٌ ليغطيه، ليتحول في نظر الطرف الآخر
إلى رمز للخيانة والاستحقاق للموت. يصبح الشهيد بطلًا في عين جماعته، وعميلًا
خائنًا في نظر خصمه. الشرخ عميق، انطبع في الذاكرة الجمعية أن علمي هو الحق
المطلق، وعلم الآخر هو الباطل المستحق للإزالة.
هذا الانقسام المرير أنتج حكومتين متصارعتين، وجيشين يقتتلان
على أرضٍ واحدة، أرضٍ أصبحت تحمل الخطر لأهلها أكثر مما تحمل الأمان، فدفعت
بالكثيرين إلى الهجرة، باحثين عن ملاذ آمن بعيدًا عن لهيب الصراع.
في هذا المشهد المأساوي، يصبح الأطفال أول الضحايا. حيرتهم
الصغيرة أمام سؤال الرسم، هي انعكاس لحيرة أكبر تعصف بوطنهم. منذ أن ارتفع العلم
الأخضر، لم تعد هناك سورية واحدة في المخيلة، ولا أرض متوحدة في الواقع، ولا شعب
متجانس في المشاعر. وحيرة الأطفال ستستمر، تتفاقم مع القيود والقمع في الدول
المضيفة، التي سترفض حتمًا رفع علم على حساب آخر، لتظل الحقيقة المؤلمة راسخة في
أذهانهم الصغيرة: لسوريا الآن وجهان، وعلمان، وقلوب ممزقة.
تعليقات
إرسال تعليق