التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

"آمين" في زمن التساؤلات: صلوات الجمعة وصدى الواقع المرير

في كل يوم جمعة، كان مشهد المساجد يتكرر في أرجاء بلادنا. يتوافد المسلمون لأداء صلاة الظهر، وقلوبهم معلقة بكلمات الخطيب التي تسبق الصلاة. وبعد أن يفرغ من خطبته، كانت عبارة ثابتة تتردد في أرجاء المسجد: "اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا". وبصوت واحد، كنا نرفع أكف الضراعة ونردد "آمين"، متمنين الأمن والسلام لأوطاننا، والصلاح والهداية لقادتنا وولاة أمورنا. لكن في داخلي، كانت تتزاحم أسئلة مستغربة، وذلك قبل عام 2011 وما حمله من تحولات جذرية. كيف لنا أن نطلب الأمن في أوطان كانت تنذر بالكثير من الاحتقان؟ وهل كان أئمتنا وقادتنا حقًا بتلك الدرجة من الفساد والفسق حتى يستوجبوا دعوة خاصة بالإصلاح الإلهي؟ وإن كانوا كذلك، فلماذا كانوا في مواقع المسؤولية والنفوذ؟ أسئلة بقيت معلقة في ذهني الصغير حتى جاء عام 2011 ليقدم لي إجابات قاسية وواضحة، لم تكن يومًا في حسباني. أتذكر جيدًا دعاء آخر كان يتردد على لسان الخطيب من على منبر المسجد: "اللهم أمحق اليهود..." وكنا نردد خلفه "آمين" بصدى عالٍ، إيمانًا منا بنصرة الحق على الباطل. لكن مع مرور السنوات، بد...

الأول.. وهم التفوق الزائف وإهمال الواقع

قد تبدو البداية غريبة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها حقيقة راسخة: غالبًا ما تتملكنا "عقدة الأول" عندما نشعر بالضعف أو التهميش. نسعى جاهدين لنتبوأ المركز الأول، وكأنه تعويض عن نقص نشعر به. أما الأقوياء حقًا، الواثقون من ذواتهم وقدراتهم، فلا يعنيهم كثيرًا المركز الذي يشغلونه على الخريطة، فهم يدركون بثقة أن الجميع يسيرون في فلك تأثيرهم. بالنظر إلى قائمة الدول التي اعترفت بالأمم المتحدة في عام 1945، نجد أن أغلبها كانت دولًا صغيرة، ضعيفة، رازحة تحت نير الاستعمار كما يُقال. لقد كانت تلك البداية بمثابة اعتراف دولي بوجودها، ربما كانت "المرتبة الأولى" في سلم الوجود المستقل آنذاك هدفًا مشروعًا. لكن "عقدة الأول" ما تزال متجذرة، خاصة لدى الدول الناشئة والصغيرة. نراها تستجدي المركز الأول في كل ميدان: في التنافسية العالمية، في مؤشرات الاقتصاد، في عدد الاختراعات والابتكارات، والقائمة تطول. يبدو وكأن الوصول إلى القمة هو جواز المرور إلى عالم الاعتراف والتقدير. لا شك أن سعي هذه الدول نحو الكمال لمواطنيها، والحرص على تقديم أفضل الخدمات لهم، هو أمر محمود ويدعو لل...

عندما يتحول "طبيب" إلى تاجر.. تجربتي المريرة في سوق الصحة الخاص

كثيراً ما تتردد على مسامعنا قصص عن "تجارة الأطباء"، وكيف يستغل البعض منهم حاجة المرضى لابتزاز أموالهم. لكن أن أعيش تفاصيل هذه التجارة بنفسي، وأن أشعر بوطأتها على جسدي وروحي، فهذا ما جعلني أدرك بعمق حكمة المقولة: "من يعد العصي ليس كمن يعدها ". قبل أيام قليلة، وجدت نفسي مضطراً لزيارة عيادة طبيب متخصص في إحدى المشافي الخاصة المرموقة، وذلك في يوم الجمعة. كنت على دراية بحالتي الصحية تماماً؛ لا أعاني من مشاكل جسدية مزمنة، ولا اضطرابات نفسية أو عصبية، بل كان الأمر مجرد عارض صحي طارئ استوجب التدخل الطبي السريع، رغبةً مني في التخلص منه قبل حلول شهر رمضان المبارك . وما إن وطأت قدماي عيادة الطبيب، حتى استقبلني بترحيب فاتر ودعاني للجلوس. لم يمض وقت طويل على جلوسي حتى بدأ يسألني عن تفاصيل شكواي. وبمجرد أن أطلقت بضع كلمات تصف حالتي، هز رأسه بحركة توحي بعالم خبير قد استشف كل خبايا مرضي. ثم فاجأني بعبارات قاطعة: "تحتاج لتنظير وأشعة مقطعية..." وذكر إجراءً ثالثًا لم أستوعب اسمه جيدًا، لكن حسب وصفه المطول، كان ينتظرني الكثير من الفحوصات والإجراءات العاجلة التي قد تنتهي ب...

كلنا سارقون.. بريئون

في مشهد سينمائي لافت، سعى بطل الفيلم لتبرير فعل السرقة لشريكته المستغربة، مقدمًا منطقًا صادمًا: "لا أسرق لأني أريد السرقة فحسب، وإنما أسرق لأننا جميعًا سارقون بطريقة أو بأخرى." ثم شرع في تفنيد منظومته الخاصة للسرقة الجماعية، بدءًا من راتبه الذي يذهب معظمه أرباحًا للشركة، مرورًا بتهرب الشركة الضريبي من الحكومة، ونهب الحكومة لأموال الضرائب من المواطنين لتمويل مؤسساتها، وصولًا إلى المصارف التي تستثمر أموالنا دون مشاركتنا في الأرباح. هذا المنطق السينمائي المثير للجدل، دفعني للتساؤل بجدية: هل نحن حقًا جزء من هذه الدائرة الواسعة من "السرقة" اليومية؟ في اليوم التالي للعمل، بدأت أراقب محيطي بعين مختلفة. لاحظت أن العديد من الموظفين يتأخرون عن الدوام أو يغادرون قبل نهايته، ومع ذلك لا يُخصم من رواتبهم شيئًا. أليس هذا نوعًا من الاستيلاء غير المشروع على وقت وجهد المؤسسة؟ أليسوا بذلك "سارقين" لوقت العمل المدفوع الأجر؟ وامتدت ملاحظاتي لتشمل بعض الموظفين الآخرين - ليس الجميع بالطبع - الذين لا يتجاوز إنتاجهم الفعلي ساعة واحدة في يوم عمل كامل، في أحسن الأحوال. أليس...

حين يُحترم الوقت في "المتخلفة" ويُهان في "المتقدمة"

في إحدى دول أوروبا الشرقية، التي قد يصفها كثيرون بتخلفها عن ركب الحضارة، حجزت تذكرة لتقلني إلى المطار الذي يبعد قرابة ثلاث ساعات. نصحني موظف الحجز بالقدوم قبل عشر دقائق فقط من موعد الانطلاق. وبطبيعة الحال، واستنادًا إلى تجارب سابقة مريرة في بلادنا العربية، حضرت قبل نصف ساعة كاملة، متوقعًا سيناريو الانتظار الطويل الذي اعتدناه. لكن المفاجأة كانت صادمة: وسيلة النقل حضرت قبل عشر دقائق من الموعد المحدد، وانطلقت بدقة متناهية في اللحظة الموعودة . على النقيض تمامًا، وفي إحدى الدول العربية، تأخرت طائرة تابعة لشركة طيران مرموقة (بعراقة عدد طائراتها فقط) عن موعد إقلاعها ساعة كاملة. لم يكلف أي من موظفي الرحلة نفسه عناء تبرير هذا التأخير للركاب القابعين في قلق وترقب. اكتفوا بعبارات اعتذار مجاملة جوفاء، ووعود زائفة بأن الصعود إلى الطائرة سيبدأ خلال عشر دقائق. هذه "العشر دقائق" المطاطة امتدت لساعة كاملة من الانتظار القاتل. وفي النهاية، وببطء شديد يثير الأعصاب، بدأ الركاب بالصعود إلى الطائرة التي حلقت أخيرًا في السماء . الغريب في الأمر أنني لم أسمع قط عن راكب في وسائل النقل المختلفة، س...

دفاعًا عن الذائقة.. وهل للتطرف الغنائي وجود؟

لم يخطر ببالي يومًا أن أجدني في موقف المدافع عن مطرب أو فنان بعينه، فجّل ما أكنّه هو إعجاب عابر بلحنٍ عذب، أو موسيقى آسرة تأخذ بالألباب. لكن ما جرى لي منذ أيام قلبت موازين تفكيري، وطرحت عليّ سؤالًا لم أكن أتوقعه: هل يقتصر التطرف على الدين والسياسة وكرة القدم فحسب، أم أن للتطرف الغنائي جذورًا تمتد بيننا؟ بدأت الشرارة في اجتماع عابر مع أحد الأشخاص، حين انطلق في سرد مطوّل لمناقب ومحاسن مغني الحفلات الصاخبة "علي الديك"، وكأنه أحد قامات هذا العصر الذي لا يُضاهى. في نظره، كانت جميع حفلات الديك بمثابة كرنفال من الدبكة والرقص وصخب الكؤوس المترعة . لم أجادل في قناعته الراسخة، واكتفيت بجملة موجزة: "علي الديك مجرد مطرب أعراس، لا موسيقى تترنم بها الروح، ولا كلمات تأخذنا في رحلة مع معانيها ." هنا، تجلى التعصب في أبهى صوره. كيف لي، وأنا السوري مثله، أن أصف مطربًا سوريًا بهذه الصفات؟ ألم يحتل الديك الساحة الفنية السورية لسنوات طوال؟ بل تحداني أن أحضر إحدى حفلاته، وألا أجدني أرقص أو "أدبك" على أنغامه، حتى أنه بلغ في تعصبه حد وصفه بأنه أعظم من قيصر الغناء كاظم السا...

الصراع السوري يصقل خبرات المصارف الفتية في سوريا

حاولت المصارف السوري أن تنأ بنفسها لما وصلت إليه أحوال الاقتصاد السوري، لكن انعكاسات الصراع أتى على كافة قطاعات الاقتصاد السوري بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص، إذ تعاني المصارف الخاصة بالإجمال من الخسائر المالية حتى نهاية عام 2016 ، رغم إدعاء بعضها بعكس ذلك أمام اللجان الرقابية . وصل عدد المصارف العاملة في  السوق السورية   حتى نهاية الربع الثالث لعام 2016 إلى 21 مصرف منها 14 مصرفاً خاصاً منهم ثلاثة مصارف إسلامية، إضافة لب نك واحد مرخص له بممارسة  التمويل  للمشاريع الصغير ة هو   مصرف الإبداع للتمويل الصغير والمتناهي الصغر . الصراع الذي أدى إلى انكماش الحركة الاقتصادية وهبوط سعر صرف الليرة السورية أمام سلة العملات (حقوق السحب الخاصة) إضافة للأضرار التي طالت البنى التحتية الأساسية، كلها أدت إلى أرقام هزت جدران المصارف السورية الخاصة قبل العامة. المصارف العامة زادت خسائر المصارف العامة الحكومية عن الـ 143 مليار ليرة سورية (666 مليون دولار أمريكي)، وفقاً لبيانات مصرف سورية المركزي، شملت أضرار المصارف العامة المباشرة، باستثناء الأضرار التي لحقت بالعقا...