في مشهد سينمائي لافت، سعى بطل الفيلم لتبرير فعل السرقة
لشريكته المستغربة، مقدمًا منطقًا صادمًا: "لا أسرق لأني أريد السرقة فحسب،
وإنما أسرق لأننا جميعًا سارقون بطريقة أو بأخرى." ثم شرع في تفنيد منظومته
الخاصة للسرقة الجماعية، بدءًا من راتبه الذي يذهب معظمه أرباحًا للشركة، مرورًا
بتهرب الشركة الضريبي من الحكومة، ونهب الحكومة لأموال الضرائب من المواطنين
لتمويل مؤسساتها، وصولًا إلى المصارف التي تستثمر أموالنا دون مشاركتنا في الأرباح.
هذا المنطق السينمائي المثير للجدل، دفعني للتساؤل بجدية: هل
نحن حقًا جزء من هذه الدائرة الواسعة من "السرقة" اليومية؟
في اليوم التالي للعمل، بدأت أراقب محيطي بعين مختلفة. لاحظت أن
العديد من الموظفين يتأخرون عن الدوام أو يغادرون قبل نهايته، ومع ذلك لا يُخصم من
رواتبهم شيئًا. أليس هذا نوعًا من الاستيلاء غير المشروع على وقت وجهد المؤسسة؟
أليسوا بذلك "سارقين" لوقت العمل المدفوع الأجر؟
وامتدت ملاحظاتي لتشمل بعض الموظفين الآخرين - ليس الجميع
بالطبع - الذين لا يتجاوز إنتاجهم الفعلي ساعة واحدة في يوم عمل كامل، في أحسن
الأحوال. أليس هذا استنزافًا لموارد الشركة دون وجه حق؟ ألا يندرج هذا ضمن مفهوم
"السرقة" للمجهود والوقت؟
ولم يغب عن ناظري التجار - بعضهم لا كلهم - الذين يضيفون إلى
أسعار بضائعهم كافة التكاليف المدفوعة، بالإضافة إلى أرباح تغيير العملة، بل
ويضيفون أرباحًا إضافية في حال تغير السوق. أليس هذا استغلالًا للظروف وتقاضيًا
لأكثر مما يستحقون؟ ألا يمكن اعتبار ذلك شكلًا من أشكال "السرقة"
للمستهلك؟
أما الحكومات، فهي تمارس "سرقتها" بطرق أكثر تعقيدًا
وخفاءً. فتحديد حد أدنى للأجور بالكاد يكفي لسد رمق العامل، في ظل ارتفاع تكاليف
المعيشة، يبدو وكأنه اقتطاع غير عادل من قيمة جهده. والتغاضي عن البطالة المقنعة
في القطاع العام هو سرقة واضحة من خزينة الدولة. والتسامح مع تهرب كبار رجال
الأعمال من الضرائب هو تفريط في حقوق المواطنين. وإقامة مشاريع ترفيهية باهظة
الثمن في ظل غياب الخدمات الأساسية هو تبديد للموارد وسرقة لأولويات الشعب. وعدم
الرقابة الفعالة على المدارس والمستشفيات، والتغاضي عما يدور فيها من إهمال وتجاوزات،
هو سرقة لحقوق المواطنين في التعليم والصحة. والابتعاد عن مراقبة سياسات البنوك
والمصارف، والاستئثار بأرباح النفط وإخفاء الميزانية الحقيقية له، كلها أشكال
مستترة من "السرقة" للمال العام.
لا أسرد كل هذه الملاحظات لتبرير فعل السرقة الفردي، بل هي
محاولة لقراءة واقعنا اليومي بعين فاحصة، وفهم كيف يمكن أن تتشابك المصالح وتتداخل
الحقوق بطرق تجعل مفهوم "السرقة" أكثر تعقيدًا مما يبدو. إنها محاولة
لتجنب الوقوع في فخ التعميم الذي ساقه بطل الفيلم، والتمييز بين أشكال الاستغلال
المختلفة.
هدفي ليس تبرئة السارق الفردي، بل هو تفنيد مقولة "كلنا
سارقين" المطلقة. صحيح أن هناك أشكالًا من الاستغلال والتجاوزات تحدث على
مختلف المستويات، لكن هذا لا يعني أن الجميع متورطون بشكل مباشر أو متساوٍ في فعل
السرقة. التمييز والوعي بهذه التجاوزات هو الخطوة الأولى نحو محاولة بناء مجتمع
أكثر عدلًا وشفافية، مجتمع يسعى لتقليل أشكال الاستغلال والاحتيال، بدلًا من
الاستسلام لمنطق "الكل سارق" الذي يبرر الانتهازية ويقوض أسس الثقة
والنزاهة.
تعليقات
إرسال تعليق