في إحدى دول أوروبا الشرقية، التي قد
يصفها كثيرون بتخلفها عن ركب الحضارة، حجزت تذكرة لتقلني إلى المطار الذي يبعد
قرابة ثلاث ساعات. نصحني موظف الحجز بالقدوم قبل عشر دقائق فقط من موعد الانطلاق.
وبطبيعة الحال، واستنادًا إلى تجارب سابقة مريرة في بلادنا العربية، حضرت قبل نصف
ساعة كاملة، متوقعًا سيناريو الانتظار الطويل الذي اعتدناه. لكن المفاجأة كانت
صادمة: وسيلة النقل حضرت قبل عشر دقائق من الموعد المحدد، وانطلقت بدقة متناهية في
اللحظة الموعودة.
على النقيض تمامًا، وفي إحدى الدول
العربية، تأخرت طائرة تابعة لشركة طيران مرموقة (بعراقة عدد طائراتها فقط) عن موعد
إقلاعها ساعة كاملة. لم يكلف أي من موظفي الرحلة نفسه عناء تبرير هذا التأخير
للركاب القابعين في قلق وترقب. اكتفوا بعبارات اعتذار مجاملة جوفاء، ووعود زائفة
بأن الصعود إلى الطائرة سيبدأ خلال عشر دقائق. هذه "العشر دقائق"
المطاطة امتدت لساعة كاملة من الانتظار القاتل. وفي النهاية، وببطء شديد يثير
الأعصاب، بدأ الركاب بالصعود إلى الطائرة التي حلقت أخيرًا في السماء.
الغريب في الأمر أنني لم أسمع قط عن
راكب في وسائل النقل المختلفة، سواء كانت برية أو جوية أو بحرية، أقام دعوى قضائية
ضد شركة نقل بسبب التأخير. ولم أسمع عن شركة نقل قامت بتعويض ركابها عن تأخير
متكرر في رحلاتها. بل أصبح التأخير في كثير من الأحيان جزءًا لا يتجزأ من
"طبيعة" بعض شركات النقل في منطقتنا.
يبرر العديد من مسؤولي شركات النقل هذا
الأمر بحجة أن الراكب يوقع على شروط واضحة وصريحة، وأن للشركة الحق في تغيير موعد
الإقلاع في أي وقت تراه مناسبًا ودون الرجوع إلى الراكب. وكأن هذا الراكب ليس
إنسانًا له ارتباطات ومواعيد، بل مجرد حقيبة يمكن لهذه الشركات رميها في أي مكان
دون أدنى اعتبار لوقته أو مصالحه.
لكن المفاجأة الأكبر تكمن في السلبية
المدهشة التي يتعامل بها الراكب مع حالات التأخير هذه. يبدو وكأن تأثير شركات
النقل عليه سحري، يفقده القدرة على الاعتراض أو المطالبة بحقوقه. فلا يقاضيها، ولا
حتى يرفع صوته احتجاجًا، ولا يفكر حتى في مقاطعة هذه الشركات التي لا تحترم وقته.
يجلس مستكينًا، منتظرًا بصبر أيوب أن تتكرم الشركة بحضوره.
لا أهدف من هذه الكلمات إلى تقديم شكوى
أو التعبير عن تذمر شخصي. إنما هي دعوة صادقة إلى بعض مستخدمي وسائل النقل لإعادة
النظر في عقود الإذعان التي يوقعونها دون وعي كامل بحقوقهم، والبدء في الاعتراض
والمطالبة بالاحترام. وهي أيضًا دعوة موجهة إلى وسائل النقل والقائمين عليها،
للتذكير بأبسط مبادئ التعامل الإنساني، وهو احترام وقت المستخدمين وتقدير
التزامهم. فالمسافر ليس مجرد رقم أو حقيبة، بل إنسان له قيمة ووقته ثمين. لقد آن
الأوان أن تتعلم بعض شركاتنا من "المتخلفة" كيف يُحترم المستخدم ويُقدر
وقته.
تعليقات
إرسال تعليق