التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

كلنا سارقون.. بريئون

في مشهد سينمائي لافت، سعى بطل الفيلم لتبرير فعل السرقة لشريكته المستغربة، مقدمًا منطقًا صادمًا: "لا أسرق لأني أريد السرقة فحسب، وإنما أسرق لأننا جميعًا سارقون بطريقة أو بأخرى." ثم شرع في تفنيد منظومته الخاصة للسرقة الجماعية، بدءًا من راتبه الذي يذهب معظمه أرباحًا للشركة، مرورًا بتهرب الشركة الضريبي من الحكومة، ونهب الحكومة لأموال الضرائب من المواطنين لتمويل مؤسساتها، وصولًا إلى المصارف التي تستثمر أموالنا دون مشاركتنا في الأرباح. هذا المنطق السينمائي المثير للجدل، دفعني للتساؤل بجدية: هل نحن حقًا جزء من هذه الدائرة الواسعة من "السرقة" اليومية؟ في اليوم التالي للعمل، بدأت أراقب محيطي بعين مختلفة. لاحظت أن العديد من الموظفين يتأخرون عن الدوام أو يغادرون قبل نهايته، ومع ذلك لا يُخصم من رواتبهم شيئًا. أليس هذا نوعًا من الاستيلاء غير المشروع على وقت وجهد المؤسسة؟ أليسوا بذلك "سارقين" لوقت العمل المدفوع الأجر؟ وامتدت ملاحظاتي لتشمل بعض الموظفين الآخرين - ليس الجميع بالطبع - الذين لا يتجاوز إنتاجهم الفعلي ساعة واحدة في يوم عمل كامل، في أحسن الأحوال. أليس...

حين يُحترم الوقت في "المتخلفة" ويُهان في "المتقدمة"

في إحدى دول أوروبا الشرقية، التي قد يصفها كثيرون بتخلفها عن ركب الحضارة، حجزت تذكرة لتقلني إلى المطار الذي يبعد قرابة ثلاث ساعات. نصحني موظف الحجز بالقدوم قبل عشر دقائق فقط من موعد الانطلاق. وبطبيعة الحال، واستنادًا إلى تجارب سابقة مريرة في بلادنا العربية، حضرت قبل نصف ساعة كاملة، متوقعًا سيناريو الانتظار الطويل الذي اعتدناه. لكن المفاجأة كانت صادمة: وسيلة النقل حضرت قبل عشر دقائق من الموعد المحدد، وانطلقت بدقة متناهية في اللحظة الموعودة . على النقيض تمامًا، وفي إحدى الدول العربية، تأخرت طائرة تابعة لشركة طيران مرموقة (بعراقة عدد طائراتها فقط) عن موعد إقلاعها ساعة كاملة. لم يكلف أي من موظفي الرحلة نفسه عناء تبرير هذا التأخير للركاب القابعين في قلق وترقب. اكتفوا بعبارات اعتذار مجاملة جوفاء، ووعود زائفة بأن الصعود إلى الطائرة سيبدأ خلال عشر دقائق. هذه "العشر دقائق" المطاطة امتدت لساعة كاملة من الانتظار القاتل. وفي النهاية، وببطء شديد يثير الأعصاب، بدأ الركاب بالصعود إلى الطائرة التي حلقت أخيرًا في السماء . الغريب في الأمر أنني لم أسمع قط عن راكب في وسائل النقل المختلفة، س...

دفاعًا عن الذائقة.. وهل للتطرف الغنائي وجود؟

لم يخطر ببالي يومًا أن أجدني في موقف المدافع عن مطرب أو فنان بعينه، فجّل ما أكنّه هو إعجاب عابر بلحنٍ عذب، أو موسيقى آسرة تأخذ بالألباب. لكن ما جرى لي منذ أيام قلبت موازين تفكيري، وطرحت عليّ سؤالًا لم أكن أتوقعه: هل يقتصر التطرف على الدين والسياسة وكرة القدم فحسب، أم أن للتطرف الغنائي جذورًا تمتد بيننا؟ بدأت الشرارة في اجتماع عابر مع أحد الأشخاص، حين انطلق في سرد مطوّل لمناقب ومحاسن مغني الحفلات الصاخبة "علي الديك"، وكأنه أحد قامات هذا العصر الذي لا يُضاهى. في نظره، كانت جميع حفلات الديك بمثابة كرنفال من الدبكة والرقص وصخب الكؤوس المترعة . لم أجادل في قناعته الراسخة، واكتفيت بجملة موجزة: "علي الديك مجرد مطرب أعراس، لا موسيقى تترنم بها الروح، ولا كلمات تأخذنا في رحلة مع معانيها ." هنا، تجلى التعصب في أبهى صوره. كيف لي، وأنا السوري مثله، أن أصف مطربًا سوريًا بهذه الصفات؟ ألم يحتل الديك الساحة الفنية السورية لسنوات طوال؟ بل تحداني أن أحضر إحدى حفلاته، وألا أجدني أرقص أو "أدبك" على أنغامه، حتى أنه بلغ في تعصبه حد وصفه بأنه أعظم من قيصر الغناء كاظم السا...

الصراع السوري يصقل خبرات المصارف الفتية في سوريا

حاولت المصارف السوري أن تنأ بنفسها لما وصلت إليه أحوال الاقتصاد السوري، لكن انعكاسات الصراع أتى على كافة قطاعات الاقتصاد السوري بشكل عام والقطاع المصرفي بشكل خاص، إذ تعاني المصارف الخاصة بالإجمال من الخسائر المالية حتى نهاية عام 2016 ، رغم إدعاء بعضها بعكس ذلك أمام اللجان الرقابية . وصل عدد المصارف العاملة في  السوق السورية   حتى نهاية الربع الثالث لعام 2016 إلى 21 مصرف منها 14 مصرفاً خاصاً منهم ثلاثة مصارف إسلامية، إضافة لب نك واحد مرخص له بممارسة  التمويل  للمشاريع الصغير ة هو   مصرف الإبداع للتمويل الصغير والمتناهي الصغر . الصراع الذي أدى إلى انكماش الحركة الاقتصادية وهبوط سعر صرف الليرة السورية أمام سلة العملات (حقوق السحب الخاصة) إضافة للأضرار التي طالت البنى التحتية الأساسية، كلها أدت إلى أرقام هزت جدران المصارف السورية الخاصة قبل العامة. المصارف العامة زادت خسائر المصارف العامة الحكومية عن الـ 143 مليار ليرة سورية (666 مليون دولار أمريكي)، وفقاً لبيانات مصرف سورية المركزي، شملت أضرار المصارف العامة المباشرة، باستثناء الأضرار التي لحقت بالعقا...

"الحاكورة" في درعا.. ملاذ الحياة والاكتفاء في زمن النزاعات

في محافظة درعا السورية، يتجاوز معنى كلمة "الحاكورة" مجرد مساحة أرض صغيرة خلف المنزل. إنها أشبه بواحة خضراء مكتظة بأنواع من الخضراوات الطازجة، غالبًا ما تجاورها أصوات دجاج ناهض وحركات هادئة لبقرة أو خروف أو ماعز. في ظل الظروف القاسية التي عصفت بالمنطقة، أصبحت "الحاكورة" أقرب وأكثر أهمية لسكان ريف درعا من أي تطورات أو أحداث تجري حولهم. فرغم أن درعا تتمتع بأراض زراعية واسعة خصبة، إلا أن ميل الأهالي نحو هذه البقعة الصغيرة الملاصقة لبيوتهم يحمل دلالات عميقة. "أثناء القصف أو المعارك الدائرة، نستطيع أن نتناول ما نريد مما نزرع قرب المنزل، أما أراضينا البعيدة قد تمر الأيام والأسابيع ولا نستطيع أن نقترب منها"، يوضح "هشام.ع" بمرارة. ويضيف: "بعض السكان لا يعرفون ماذا حلّ بأراضيهم منذ أكثر من عامين أو ثلاثة أعوام، فهي مع الطرف الآخر". يُشير "الطرف الآخر" هنا إلى الانقسام الحاد الذي تعيشه المنطقة، فقد يكون قوات النظام أو الفصائل المسلحة المعارضة. "ففي كافة الأحوال، إن كان السكان في مناطق النظام لا يجرؤون على أن يذهبوا لمناطق الف...

قاطرة اقتصاد سوريا.. كسيحة

من الغريب أن القرارات التي تصدر الآن عن الحكومة الحالية في سوريا خصوصاً عن وزارة الصناعة تتبع الطريقة ذاتها في اصدار القرارات على مدى السنوات الخمسين الماضية، فالقرارات شخصية وفردية وبعيدة عن وظيفة الوزارة في التخطيط الاستراتيجي للعمل الصناعي . فالصناعيون وفي أكثر من مناسبة اتهموا الحكومة الحالية والحكومات السابقة بعدم وضوح الرؤية الصناعية او حضور التنمية الصناعية في القرارات والقوانين الصادرة عنها كل فترة، وبجعلها آنية وشخصية وعديمة الفعالية بعد انتهاء الحالة المطلوبة، وفي بعض الأحيان لها تأثيرات مدمرة على الصناعة . فعلى مدى السنوات تعثرت المؤسسات الحكومية وخسائرها تجاوزت مئات الملايين، فيما القطاع الخاص أخذ بالنزوح خارج الاراضي السورية منذ العام 2008، لعدد من الأسباب أهمها : أولاً - الحكومة الحالية وما سبقها لم تملك استراتيجية واضحة ممنهجة للنهوض بالاقتصاد السوري الحقيقي (الصناعة والزراعة)، فالأرقام تؤكد ان الصناعة في الـ2005 تمثل بالنسبة الى الناتج الاجمالي المحلي 28%، فيما كانت في الـ2010 نحو 18%، وحالياً أقل من 10%، في بعض الصناعات التي ما زالت على قيد الحياة . ثانياً - ...

الركود التضخمي.. وأثاره في المجتمع السوري

يظن بعضهم أن من العبث الحديث عن الأوضاع الاقتصادية في حال الصراعات العسكرية، فالمهيمن على الساحة هو اقتصاد الحرب، أو التضخم الجامح وفقًا للمصطلحات الاقتصادية، ففي حال الصراعات تقف عجلة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتصبح أرض المعركة سوقًا مفتوحة؛ لصب السلع الخارجية وساحة جامحة لتجار الأزمات . ما تعيشه الأرض السورية، في الوقت الحالي، لا يبتعد عن الوصف السابق، فالعجلة الزراعية والصناعية توقفت توقفًا شبه تام، بعد أن كانت تمثل 45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الثورة، ليسميه الاقتصاديون بالركود، وأمام سيطرة التجارة الخارجية، وتدفق السلع المستوردة غالية الثمن إلى السوق، مقابل ضعف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وفقدان الرقابة، نحصل على التضخم، وبذلك؛ يعيش المواطن السوري حالًا نادرة من الأزمات، وهي الركود التضخمي، أي الجمع بين ركود مصادر الإنتاج، وزيادة السلع المستوردة المقترنة بضعف العملة المحلية، مع مزيج من البطالة المرتفعة؛ نتيجة ما سبق . وعلى الرغم من اختلاف الخبراء الاقتصاديين في الأرقام الصادرة بين الفنية والأخرى، إلا أنهم يجمعون على أن أرض الصراع والأزمات في أي مكان، ب...