ن ننظر جميعًا إلى صفحات التاريخ وكأنها سجل أبدي يخلد أسماءنا
جميعًا، وكأن ذكرياتنا ستنتقل حية إلى الأجيال المتعاقبة بلا انقطاع. لكن الحقيقة
التي يغفل عنها الكثيرون ممن يعيشون اليوم هي أن ذكراهم، حتى وإن استمرت، فإنها
غالبًا ما تتلاشى في غضون جيلين أو ثلاثة على أقصى تقدير.
في حديث عفوي مع سيدة فاضلة نالت درجة الدكتوراه في التربية،
عبرت عن رضاها العميق عن مسيرة حياتها بكلمات بسيطة وعميقة: "ماذا أريد أكثر
من ذلك! فغدًا سنموت، وسيبقى ذكرانا لأولادنا وأحفادنا، وبعد ذلك لن يذكرنا
أحد". بهذه البساطة والراحة والسرعة، لخصت الدكتورة حقيقة مسيرة الحياة بعد
الموت. فمن لنا بعد رحيلنا سوى أبنائنا وأحفادنا يذكروننا بضع سنين، ثم تطوينا
صفحة النسيان.
اليوم، عندما نقلب صفحات التاريخ، نستحضر أسماء قليلة بارزة:
قادة تركوا بصماتهم، مفكرون أضاءوا دروب المعرفة، كتاب أثروا العقول، وحتى لصوص
ومجرمون غيروا مسار التاريخ بأفعالهم، سواء بنظرياتهم الثورية أو حروبهم المدمرة
أو جرائمهم البشعة. وغالبًا ما يكون الخط الفاصل بين القائد العسكري الذي يُحتفى
به والمجرم الذي يُلعن واهيًا، لا يتبينه بوضوح إلا من ابتعد عن الانتماء المتعصب
لأي من الطرفين.
وفي خضم الأحداث الجارية اليوم، وخاصة فيما يتعلق بالشأن
السوري، نسمع ونقرأ الكثير عن الدعوات المشبوهة لتدخل دول أجنبية أو قوى خارجية في
الشؤون الداخلية السورية. والغريب في الأمر أن هذه القوى غالبًا ما تسعى لفرض
مبادئ وقيم لا يؤمن بها الغرب نفسه في تعاملاته الداخلية، لكنه يصر على التشدق بها
في سياقات أخرى.
الأكثر غرابة هو أن هؤلاء الذين ينادون بالتدخل الأجنبي في
الشأن السوري يبدو أنهم لم يقرأوا التاريخ قط. فالتاريخ يشهد بأنه ما دعا شخص
لتدخل قوة خارجية في شؤون بلاده إلا وذاق مرارة الإهانة والإذلال، سواء من أبناء
شعبه الذين يرون فيه خائنًا، أو حتى من القوة المتدخلة نفسها التي غالبًا ما
تستخدم الأدوات المحلية لتحقيق مصالحها ثم تتخلى عنها. فمن لا يحمل ولاءً حقيقيًا
لوطنه، فمن المستبعد أن يكن ولاءً حقيقيًا لأي طرف آخر.
إن وهم الخلود الذي نعيشه في خضم اللحظة الراهنة غالبًا ما
يعمينا عن حقيقة أن ذاكرتنا قصيرة الأمد. الدرس الذي يمكن استخلاصه من كلمات
الدكتورة بسيط وعميق: قيمة حياتنا الحقيقية تكمن في تأثيرنا المباشر على من حولنا،
على أبنائنا وأحفادنا ومجتمعنا القريب. أما السعي وراء خلود زائف في صفحات
التاريخ، فقد يكون سرابًا يلهينا عن بناء مستقبل حقيقي لأوطاننا.
بالنسبة لسوريا، فإن الطريق إلى التعافي والنهوض يكمن في تكاتف
أبنائها، وفي بناء مستقبل يعكس إرادتهم الحرة، لا في استجداء تدخلات خارجية غالبًا
ما تحمل أجندات خفية ومصالح ذاتية. التاريخ يعلمنا أن من يفرط في سيادته
واستقلالية قراره، يجد نفسه في مهب الريح، لا يذكره التاريخ إلا كأداة في يد
الآخرين، لا كصانع لمصيره.
تعليقات
إرسال تعليق