التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تحذيرات المراهق وسوريا الجريحة

ت تثير التحذيرات المتصاعدة الصادرة عن الكيان الإسرائيلي لرئيس الفترة الانتقالية السورية أحمد الشرع، والتي تتوعد بالرد على أي هجمات ضدها من الأراضي السورية، استغرابًا ممزوجًا بالسخرية. يأتي هذا التهديد في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية المكثفة على الأراضي السورية منذ انهيار سلطة النظام السابق، وقصفها الممنهج لما تبقى من مستودعات سلاح (إن وجدت أصلًا).

ما تفعله "إسرائيل" اليوم أشبه بسلوك مراهق حديث العهد بالحياة، وجد بين يديه أموالًا طائلة (من الولايات المتحدة وأوروبا) لينفقها ببذخ على نزواته وشهواته العابرة. يتعدى على هذا الجار، ويضرب ذاك الطرف، واثقًا من أنه بمنأى عن أي رد فعل أو محاسبة، فغطرسة القوة المستمدة من دعم "والده" تمنحه وهم الحصانة، وتؤكد لنا مجددًا أن هذا الكيان الطارئ لا يمت بصلة حقيقية لجذور المنطقة وتاريخها.

فمن يقرأ طبيعة الأشخاص والدول بعمق، يدرك أن تاريخ الدولة هو بمثابة بصمتها وصورتها المتراكمة عبر الزمن. وكلما تعمق تاريخ الدولة وامتدت جذورها في الأرض، أصبحت أكثر حكمة، وأكثر ميلًا نحو السلام والاستقرار، إدراكًا منها لقيمة البناء والحفاظ على المكتسبات. على النقيض من ذلك، تظن الدول الحديثة النشأة (ذات التاريخ القصير أو المعدوم) أن القوة الغاشمة والاستعراض العسكري هو السبيل الوحيد لتحقيق مآربها وأطماعها.

إن قمة الهرم السياسي في "إسرائيل" تعاني من فساد مستشرٍ، وهذا ليس سرًا على أحد. وما المعارك والتوغلات التي تشنها إلا محاولات يائسة لإطالة أمد بقاء القيادة الحالية في السلطة، ومساعٍ مؤقتة للسيطرة على المزيد من الأراضي في الجنوب السوري، إدراكًا منها أن وجودها ذاته في المنطقة محفوف بالمخاطر ومؤقت، وأن الأيام القادمة ستثبت أن بقاءها يشكل تهديدًا حقيقيًا للسلم العالمي.

سوريا في الوقت الراهن تمر بمرحلة حرجة، فهي جريحة تحاول جاهدة ترميم ما خلفته سنوات الأزمة والتحديات القديمة، وتسعى للنهوض من جديد. وما تفعله "إسرائيل" ليس سوى محاولات سافرة للاستفزاز وإثارة غضب الشعب السوري قبل الحكومة الانتقالية الحالية. فبدلًا من محاولة بناء جسور من الثقة ومد أواصر السلام مع القيادة السورية الجديدة، تتعمد "إسرائيل" زرع بذور الكراهية والانتقام، إن لم يكن ذلك الآن، ففي المستقبل القريب حتمًا.

إن هذه التصرفات غير المسؤولة من "إسرائيل" لا تخدم سوى تأجيج الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة. وعلى المجتمع الدولي أن يدرك خطورة هذه الاستفزازات، وأن يضغط على "إسرائيل" لوقف هذه الاعتداءات التي تقوض أي فرصة حقيقية للسلام والاستقرار في سوريا والمنطقة بأسرها. سوريا الجريحة تستحق فرصة للتعافي والبناء، لا المزيد من العدوان والتهديدات التي تعيق نهضتها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...