ق قد يرى البعض في كلماتي القادمة صدى لطائفية مُستترة، لكنني
أؤكد أنها ليست كذلك. إنها صرخة أسمعها تتردد على ألسنة كثيرين، إن لم يكن المئات،
ممن تشاركوا معي مرارة السنوات العجاف في سوريا.
منذ أن عصفت رياح الثورة بأرضنا، غرقت أنا وعائلتي وقريتي
ومدينتي ووطني بأكمله في صدمة مُذهلة من هول المجازر التي ارتكبتها فئة اختارت
لنفسها اسمًا مستعارًا، حتى بات سماع نبأ مقتل عشرات أو حتى مئات الأشخاص دفعة
واحدة أمرًا شبه اعتيادي. نعود بعدها لممارسة تفاصيل حياتنا اليومية وكأن هؤلاء
الضحايا قد سافروا إلى بلد بعيد بحثًا عن عمل.
لكن هذا الظاهر القاسي يُخفي في طياته تبعات نفسية أشد وطأة.
فعل القتل الوحشي الذي استهدف أبناء الشعب السوري على مدى أربعة عشر عامًا مضت،
أدى إلى موت أشياء كثيرة في قلوبنا. اعتدنا على ممارسة الحياة بشكل سطحي، وتلاشى
فينا كثير من المشاعر، وأهمها التعاطف. أعترف بمرارة أنني أشك في قدرتي على
التعاطف العميق مع أي مجزرة تُرتكب اليوم، وأنا الذي استقبلت خبر مقتل أخي تحت
التعذيب على يد من زعموا حماية أمن البلاد، ومُنعت عائلتي من إقامة العزاء اللائق
به، بل أُجبرنا على التظاهر بأن شيئًا لم يكن.
الكثير من أبناء المجتمع السوري عاشوا هذه التجربة المروعة،
مُنعوا من دفن موتاهم، ومن البكاء عليهم بحرية، بل أُطلقت النار عليهم وهم يحاولون
مواراة أحبائهم الثرى، ولم يكترث أحد لجبر خاطر أهل القتيل.
وقبل أن يتسرع أحدهم باتهامي بالشماتة بمن قُتل في الأيام
الماضية، أقول بصدق: ليرحم الله كل بريء منهم، فقد ذهب ضحية لجرائم المجرمين الذين
عاش بينهم، ذهب بذنب صمته عن جرائمهم على مدى أربعة عشر عامًا. قُتل بأيدي أشخاص
ربما ارتكبوا فعلتهم كرد فعل على مجازر مماثلة تعرض لها أهلهم وأحباؤهم في السنوات
الماضية، والذين ربما كانوا هم أنفسهم صامتين، إن لم يكونوا شامتين.
لا يوجد أي تبرير لعمليات القتل، سواء استهدفت فردًا أو جماعة.
لكن قبل أن نسارع إلى نصب المشانق، علينا أولاً أن نُحاكم المجرمين الذين بدأوا
سلسلة القتل هذه، علينا أن نحاسب كل من حمل سلاحًا وقتل أخاه في الوطن، وكل من حرض
على هذا القتل، وكل من فرح لهذا القتل، لا أن نركز فقط على ردود الفعل الناتجة عما
سبق.
من المؤسف أن أتذكر، قبل أشهر قليلة فقط، عندما كانت إدلب
تُقصف، وكنت أستمع بمرارة إلى أعداد القتلى اليومي، كُنت أنصت في الوقت نفسه بكل
هدوء إلى بكائيات البعض اليوم، الذين كانت أقصى همومهم ارتفاع أسعار الخضار، وكيف
سيدبرون شؤون حياتهم مع الغلاء الفاحش، وأين سيحتفلون في المناسبات التي يهرب بها
الإنسان قليلًا من الحزن.
أتذكر جيدًا بعد كل مجزرة ارتُكبت على مدى السنوات الأربع عشرة
بحق مدن درعا وريف دمشق وحمص وإدلب وغيرها، أن هناك من كان يحتفل بهذه المجازر،
ويصف الضحايا بأنهم إرهابيون، وأن بقائهم على قيد الحياة سيؤدي إلى ولادة المزيد
من الإرهابيين. حتى أن إحدى الصحافيات المنتمية للطائفة التي ارتكبت المجازر قالت
صراحة: "على الدولة (الأسدية) أن تقتل كل أهل السنة لأنهم إرهابيون، والخلاص
منهم أفضل، ومسحهم من دوائر النفوس أنظف". حينها لم أسمع أي شجب أو إنكار،
ولا حتى تعاطفًا من باب المجاملة.
رغم كل هذا الألم والوجع، ليرحم الله كل بريء قُتل، من أي طائفة
أو ملة كان. وآسف لما وصلت إليه الأرض السورية من تجييش للحقد والكراهية، والنظر
بعين الريبة لكل دعوة للإصلاح والبناء. إن الفكر الانتقامي الذي يسير على الأرض
السورية اليوم بحاجة إلى معالجة سريعة، لتضميد الجروح، وجبر الخواطر، ومحاسبة
المجرمين الحقيقيين الذين أشعلوا هذه النار المستعرة.
تعليقات
إرسال تعليق