ت تثير حالة الترقب التي تخيم على موقف إيران الرسمي تجاه الاتفاق
التاريخي بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم
عبدي، والقاضي بوقف إطلاق النار ودمج قوات "قسد" ضمن مؤسسات الدولة،
العديد من التساؤلات. فبينما مضى وقت ليس بالقصير على توقيع الاتفاق (حتى 12 مارس
2025)، لا يزال الصمت الإيراني سيد الموقف، وهو صمت لا يمكن فهمه بمعزل عن شبكة
معقدة من المصالح والتخوفات الإقليمية والدولية المتداخلة.
في قلب هذه الحسابات المعقدة، تبرز محاولة إيران الحثيثة للحفاظ
على نفوذها الإقليمي الراسخ. تُعدّ طهران سوريا منطقة نفوذ استراتيجية حيوية
لأمنها القومي وعمقها الاستراتيجي. أي اتفاق يهدد بتقويض هذا النفوذ، أو تغيير
موازين القوى الداخلية في سوريا بشكل لا يخدم مصالحها، من شأنه أن يثير قلقًا
عميقًا لدى القيادة الإيرانية. وعلى الرغم من تأكيدها الظاهري على وحدة الأراضي
السورية، إلا أن إيران تفضل بلا شك حكومة مركزية تدين لها بالولاء وتتماشى مع
أجندتها الإقليمية.
من جهة أخرى، تنظر إيران بعين الريبة والعداء الشديدين إلى
الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وتَعّده تهديدًا مباشرًا لأمنها ومصالحها
الإقليمية. بناءً على ذلك، تعارض طهران أي اتفاق، حتى وإن كان يهدف ظاهريًا إلى
تحقيق الاستقرار في سوريا، إذا كان من شأنه تعزيز هذا الوجود الأمريكي، ولو من باب
التحالف التكتيكي مع قوى مدعومة من واشنطن مثل "قسد".
تدرك إيران جيدًا أن الحكومة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس
الشرع، تحمل توجهات مختلفة وقد تكون أكثر تحفظًا، إن لم تكن معادية، للتدخلات
الإيرانية المتزايدة في الشأن السوري. هذه الحكومة الجديدة، التي تحظى بدعم دولي
قوي، من المرجح أن تتخذ مواقف أكثر صلابة في مواجهة أي محاولات لفرض أجندات
خارجية. في هذا السياق، ستجد إيران صعوبة بالغة في إعلان معارضتها الصريحة للاتفاق
مع "قسد"، خشية الاصطدام بالإرادة الدولية والمحلية المتزايدة نحو
الاستقرار.
علاوة على ذلك، ترى إيران في أي اتفاق يقوي شوكة
"قسد"، المدعومة بشكل كبير من الولايات المتحدة، تهديدًا بعيد المدى
لمصالحها. تعزيز قوة "قسد" قد يمنح واشنطن نفوذًا أكبر في المنطقة على
حساب طهران، ويخلق كيانًا كرديًا قويًا على حدودها الشمالية، وهو سيناريو يثير
قلقًا استراتيجيًا لإيران.
في ضوء هذه الحسابات المتشابكة، من المرجح أن تتخذ إيران موقفًا
سلبيًا ضمنيًا تجاه الاتفاق، خاصة إذا رأت أنه يهدد مصالحها الحيوية. قد تلجأ
طهران إلى استخدام أدواتها المختلفة للتأثير على الوضع الداخلي السوري، بما في ذلك
دعم فصائل مسلحة موالية لها لزعزعة الأمن وتقويض الاستقرار، كما حدثت بعض التحركات
المشابهة مؤخرًا. كما ستحاول التأثير على تنفيذ بنود الاتفاق وتقويض تلك التي
تتعارض مع مصالحها، وقد تلجأ إلى قنوات اتصال غير مباشرة للضغط على
"قسد".
مع ذلك، من المتوقع أن تتحرك إيران بحذر شديد لتجنب أي تصعيد
مباشر مع الولايات المتحدة أو قوى إقليمية أخرى مثل تركيا والسعودية، التي قد تدعم
هذا التحالف الجديد. قد تركز طهران على تعزيز وجودها ونفوذها في مناطق أخرى من
سوريا، مثل الساحل السوري، لتعويض أي خسائر محتملة في مناطق نفوذ "قسد".
لكن التحدي الأكبر الذي تخشاه إيران هو أن تجد نفسها معزولة في
مواجهة هذا التحالف الجديد، المدعوم بقوة من الولايات المتحدة وتركيا والسعودية.
في هذا السيناريو، قد تجد طهران صعوبة في التأثير على أي قرارات يتخذها الطرفان
المتفقان. كما أن أي تدخل عسكري إيراني مباشر قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة على
الساحة السورية المعقدة، بالإضافة إلى إلحاق ضرر جسيم بمصالح إيران الإقليمية.
ويمكن القول بثقة أن موقف إيران سيكون سلبيًا تجاه أي اتفاق بين
الحكومة السورية وقسد. وستسعى طهران بكل الوسائل المتاحة لتقويض هذا الاتفاق،
ولكنها ستتحرك بحذر محسوب لتجنب أي تصعيد إقليمي كبير قد تكون له تداعيات وخيمة
على مصالحها. يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرة إيران على التأثير في مسار الأحداث
في سوريا في ظل هذا التحالف الجديد والدعم الدولي المتزايد له.
تعليقات
إرسال تعليق