التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

"أنا الوطن".. وهم التفوق الوطني وكشف المؤامرات الوهمية

"أنا الوطن".. تلك العبارة الرنانة التي غالبًا ما تدور حولها أحاديث بعض معارضي دمشق، وكأنهم وحدهم يمتلكون مفاتيح الوطنية الخالصة، والقادرون على كشف خيوط المؤامرات والعمالة الأجنبية قبل الجميع. "أنا الوطن".. هكذا يتغنى المعارض "الفذ" بنرجسية واضحة، وينظر إلى غيره بازدراء، معتبرًا إياه أقل وعيًا وإدراكًا للحقيقة المطلقة التي يزعم امتلاكها وحده. تلك الجمل المألوفة تتردد على ألسنتهم بثقة زائفة: "أنت شو عرفك؟"، "أنا سمعت من واحد مقرب"، "أنا سمعت من صديق مقرب جدًا"، "حكالي واحد من مكتب فلان". وكأن هذه "المصادر السرية" تمنحهم حصانة ضد الخطأ وتجعلهم أوصياء على الحقيقة الوطنية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: إذا كنت مقربًا لتلك الدرجة من مراكز القرار، وإذا كانت آذان المسؤولين مُصغية لك لهذه الدرجة، وإذا كنت تستفيد من علاقاتك الخاصة مع هؤلاء الأشخاص، فما هو الفارق الجوهري بينك وبينهم؟ ألا تصبح جزءًا من نفس المنظومة التي تدعي معارضتها وكشف فسادها؟ "أنا الوطن".. تلك العبارة التي كفر بها للأسف الكثير ممن خرجوا...

حجاب إيران وحراب علمانيي العرب.. استغلال موجة احتجاج أم نصرة حقيقية؟

اندلعت المظاهرات في إيران منذ أسابيع، مدفوعة بغضب شعبي متراكم جراء الضغوط الاقتصادية والسياسية والأدلجة القسرية التي رزح تحتها الإيرانيون لعقود. قد تكون الشرارة المباشرة هي قضية الفتاة مهسا أميني، ضحية "شرطة الأخلاق" التي اعتقلتها وسجنتها ثم قتلتها في زنازينها، لكن جذور الغضب أعمق بكثير. تشير الإحصائيات إلى تدهور اقتصادي كبير في إيران على مدى الأربعين عامًا الماضية، إذ تقلصت حصتها في الاقتصاد العالمي إلى النصف. كما تضاعف عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بين عامي 2017 و2019 ليصل إلى 30%، بعد أن كان 15% قبل ذلك التاريخ. هذه النسبة المرتفعة للفقر تأتي جنبًا إلى جنب مع البطالة المتفشية، والركود الاقتصادي، والعقوبات الدولية الخانقة التي حولت كل إيراني إلى متهم بالإرهاب حتى تثبت براءته (إن أمكن إثباتها). لكن ما يثير الاستغراب في خضم هذه الأحداث المأساوية في إيران، هو الاستغلال العلني من قبل بعض العلمانيين العرب لرمزية الحجاب. نشاهد صورًا وتقارير عن نساء إيرانيات يرمين حجابهن على الأرض احتجاجًا على القمع الأمني للمظاهرات، وتضامنًا معهن، تقص بعضهن شعرهن. فجأة، يستعيد هؤلاء ...

لعنة الميلاد السوري.. تهمة الوجود في أرض محروقة

عندما فتحنا أعيننا على نور الحياة في تلك البقعة من الأرض المسماة سوريا، سوريا الأم، وجدنا أنفسنا فجأة متهمين بكل ما هو سيئ في هذا العالم. وُصمنا بكل الموبقات التي نعرفها وتلك التي لم تخطر ببالنا قط، وحتى تلك التي يتخيلها البعض ويرغب في ارتكابها. حين ولدنا في تلك القطعة الأرضية التي تتوسط قلب العالم القديم، وجدنا أنفسنا تلقائيًا خارجين من حسابات هذا العالم، قديمه وحديثه. خرجنا كمواطنين سوريين من دائرة اهتمام الجميع، وكأن قدرنا أن نكون استثناءً مؤلمًا. من تلك الأرض الوسطى، التي غادرها الكثير أو البعض من أبنائها بحثًا عن ملاذ آمن، أصبحنا نتلمس أطراف أصابعنا بحذر، نتحمل جبروت نظرات الآخرين وطريقة كلامهم المتعالية، وحتى احتقارهم الصامت وتلميحاتهم المؤذية التي ترمي علينا وزر الخراب الذي حل بوطننا، وكأننا وحدنا من تلطخت أيدينا به. من الأرض التي نبتنا منها، أصبحنا متهمين، مستكينين خوفًا، نراقب خطواتنا وكلماتنا وحتى نظراتنا المرتعدة، خشية أن تكون سببًا في مأساة جديدة لا نعرف اتجاهاتها أو عواقبها الوخيمة. سواء اخترنا البقاء أو أجبرتنا الظروف على الرحيل، بقينا نحن المتهمين بما لا نعلم، ...

بين الجولاني والأسد... صراع رجلين في بناء دولتين

في قلب سوريا، وعلى أنقاض حربٍ مدمّرة مزّقت البلاد، شنتها قوات النظام السوري بدعم من الحرس الثوري الإيراني وميليشياته في المنطقة، إلى جانب الطيران الروسي، ضد الشعب السوري .. يتشكل مشهدٌ سياسيٌّ متناقض بين رجلين: أبو محمد الجولاني (مجهول الاسم)، قائد هيئة تحرير الشام في إدلب، وبشار الأسد (مجهول النسب)، رئيس النظام السوري في دمشق. كلاهما يسعى لبناء "دولة"، لكن الفارق بينهما شاسع، ليس فقط في الوسائل، بل في الغايات، والشرعية، وحتى في نظرة الناس إليهما . دولة تحت النار رغم الغموض الذي يحيط بهويته الحقيقية، استطاع الجولاني أن يتحول من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة، يحاول فرض نموذج حكم في إدلب، شمال غرب سوريا. في منطقة محاصرة بالقصف الروسي والهجمات الإيرانية، بدأ الجولاني بإرساء دعائم "دولة خدمات"، تعتمد على الجمارك والضرائب كمصادر دخل، وتقدم خدمات حياتية للسكان، من كهرباء ومياه وتعليم، إلى مشاريع بنية تحتية . يحاول الجولاني كسب شرعيته من الناس، لا من الخارج. فخطابه تغيّر، وملامح سلطته بدأت تأخذ شكلًا إداريًا أكثر منه عسكريًا. ورغم الانتقادات، فإن إدلب اليوم تبدو أكثر تنظيمً...

جريمة متجددة بلا مُتهم في وطن النسيان

منذ أيام، استرجعت ذاكرتي شريطًا تلفزيونيًا قديمًا، مسلسل "الإخوة" الذي أنتج عام 1994. في حلقته الأولى، يجسد الفنان بسام كوسا شخصية حسام، الصحافي الشجاع الذي ينطلق في رحلة بحث مضنية عن المتسبب الفعلي في حرائق غابات الساحل السوري، محاولًا كشف المستفيد الخفي من هذه الكارثة البيئية والاقتصادية. تتصاعد وتيرة الأحداث في المسلسل مع رفض رئاسة التحرير نشر التحقيق الذي توصل إليه حسام، والذي يحمل أسماء المتهمين بارتكاب تلك الجريمة النكراء. لكن المفارقة الصادمة، والوجع الحقيقي الذي يكمن هنا، هو أن الجريمة التي كان يبحث عنها الصحافي "كوسا" قبل ثلاثة عقود، تتكرر بنسق شبه سنوي على امتداد ساحلنا السوري الجميل، وبلغت ذروتها المأساوية في عام 2020 عندما التهمت النيران مناطق واسعة وممتدة من غاباتنا الخضراء. في كل عام، تتكرر المأساة، تتصاعد ألسنة اللهب لتلتهم الأخضر واليابس، تخلف وراءها سوادًا قاتمًا ورائحة رماد خانقة. تحترق الأشجار المعمرة، وتتضرر البيئة، وتخسر المجتمعات المحلية مصدر رزقها وجمال طبيعتها الخلابة. لكن، وعلى مدار هذه السنوات الطويلة، لم يُجرم أحد بشكل حقيقي، ولم تتهم السل...

هل يرث الثائر دكتاتورية خصمه؟!

في خضم نقاش عابر مع أحد المعارضين حول قضية ما، صعقت بحدة رد فعله. كيف لي أن أجرؤ على معارضة قامة معارضة "فذة" مثله، شخص أفنى سنوات عمره، حسب زعمه، في صفوف المعارضة؟ تسلل إلى ذهني سؤال ملح: إذا ما كتب لهذا المعارض النصر يومًا ما على "النظام" الذي يكافحه، فهل سيتحول إلى موالٍ "فذ" بنفس القدر؟ وهل سيطبق عن طيب خاطر مبادئ الديمقراطية التي ينادي بها منذ نصف قرن، كما يدعي؟ أم أننا سنشهد تجسيدًا آخر لحكم الحزب الواحد، والرأي الواحد الأوحد، والشخص الأوحد المتفرد بالسلطة؟ لقد كانت الثورة، في جوهرها، للجميع. لكن يبدو أن هذا المعارض بالذات يرى فيها ملكًا شخصيًا، غنيمة حرب يجب أن يستأثر بها وحده، ويقصي كل من يختلف معه أو ينافسه الرأي. إن هذا التفكير الإقصائي يثير قلقًا عميقًا. فالتاريخ مليء بالأمثلة عن ثوار أطاحوا بدكتاتوريات ليقيموا دكتاتوريات أخرى أشد وطأة. الخطر الحقيقي يكمن في تحول المعارض المتصلب إلى سلطوي متغطرس بمجرد أن تتاح له فرصة الوصول إلى السلطة. الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على احتكار الحقيقة أو تكميم الأفواه المعارضة. إنها تتطلب سعة صدر، وقبولًا للتعددية...

مظلومية الشعوب الأبدية.. حين يتحول الضحايا إلى جلادين

لا تنتهي قصة المظلومية لشعب ما بسهولة، بل غالبًا ما تستمر وتستفحل، حتى لو وصل من ادعى المظلومية يومًا ما إلى سدة الحكم وأصبح هو نفسه ظالمًا مستبدًا. يبدو أن جرح المظلومية عميق الغور، يورث أجيالًا من الغضب والانتقام، ويشوه النفوس حتى تتحول الضحايا بالأمس إلى جلادين اليوم، وتستمر الدائرة المفرغة من العنف والقهر، حتى لو سيطروا على الأرض والبشر والمال. إن الشعور بالظلم والقهر يترك ندوبًا عميقة في الروح الجمعية للشعوب. يتحول هذا الشعور إلى إرث ينتقل عبر الأجيال، يتغذى على الذاكرة التاريخية وعلى استمرار مظاهر التمييز والإقصاء. حتى عندما تتاح الفرصة لمن عانوا من الظلم للوصول إلى السلطة، فإنهم غالبًا ما يحملون معهم تركة ثقيلة من المرارة والرغبة في الانتقام، مما يجعلهم عرضة لتكرار نفس الممارسات القمعية التي عانوا منها في الماضي. يبدو أن المظلومية، بمجرد أن تتجذر في وعي شعب ما، تصبح قوة دافعة لا تهدأ. حتى لو تحقق الظاهري من مطالبهم وسيطروا على مقاليد الأمور، فإن شبح الماضي يظل يطاردهم، يدفعهم إلى ممارسة سلطة مطلقة خشية عودة الظلم إليهم، أو ربما بدافع الرغبة في تعويض سنوات الحرمان والقهر بطرق...