التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حجاب إيران وحراب علمانيي العرب.. استغلال موجة احتجاج أم نصرة حقيقية؟

اندلعت المظاهرات في إيران منذ أسابيع، مدفوعة بغضب شعبي متراكم جراء الضغوط الاقتصادية والسياسية والأدلجة القسرية التي رزح تحتها الإيرانيون لعقود. قد تكون الشرارة المباشرة هي قضية الفتاة مهسا أميني، ضحية "شرطة الأخلاق" التي اعتقلتها وسجنتها ثم قتلتها في زنازينها، لكن جذور الغضب أعمق بكثير.

تشير الإحصائيات إلى تدهور اقتصادي كبير في إيران على مدى الأربعين عامًا الماضية، إذ تقلصت حصتها في الاقتصاد العالمي إلى النصف. كما تضاعف عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر بين عامي 2017 و2019 ليصل إلى 30%، بعد أن كان 15% قبل ذلك التاريخ. هذه النسبة المرتفعة للفقر تأتي جنبًا إلى جنب مع البطالة المتفشية، والركود الاقتصادي، والعقوبات الدولية الخانقة التي حولت كل إيراني إلى متهم بالإرهاب حتى تثبت براءته (إن أمكن إثباتها).

لكن ما يثير الاستغراب في خضم هذه الأحداث المأساوية في إيران، هو الاستغلال العلني من قبل بعض العلمانيين العرب لرمزية الحجاب. نشاهد صورًا وتقارير عن نساء إيرانيات يرمين حجابهن على الأرض احتجاجًا على القمع الأمني للمظاهرات، وتضامنًا معهن، تقص بعضهن شعرهن.

فجأة، يستعيد هؤلاء "الجهابذة العلمانيون" قضية الحجاب ليطرحوها من جديد: كيف فُرض؟ من فرضه؟ هل هو بدعة أم تقليد اجتماعي؟ ولماذا تضعه النساء من الأساس؟ وغيرها من الأسئلة التي تقودنا إلى التساؤل: هل أنتم حقًا مع المظاهرات في إيران أم ضدها؟ وهل تناصرون المرأة الإيرانية أم تهاجمون حجابها الذي قد يكون جزءًا من هويتها واختيارها؟

نحن أبناء عقائدنا وبيئاتنا، شئنا أم أبينا، الحجاب جزء من نسيج مجتمعاتنا الشرقية. فإن كان الحجاب فرضًا دينيًا، فالنساء أدرى بشؤون دينهن. وإن لم يكن كذلك، فالنساء أعرف بدوافع اختيارهن. ولا أعتقد أن هناك امرأة حرة سترضخ لسلطة دينية وهي رافضة لها من أعماق قلبها. لا يمكن لأحد أن يجبر امرأة حرة على شيء ترفضه بملء إرادتها.

صحيح أن السلطة الدينية والحكومية في إيران قد تعاقب المرأة "السافرة" (غير المحجبة) حسب ما تنقله وسائل الإعلام، لكن هناك في الأصل الكثير من النساء الإيرانيات سافرات، أو يرتدين الحجاب بشكل جزئي. إن حادثة مهسا أميني كانت شرارة أشعلت فتيل غضب شعبي مكبوت، غضبًا تراكم على مدى سنوات من القمع وسوء الإدارة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والأمنية.

خرج الشعب الإيراني في مظاهرات عديدة في السنوات السابقة احتجاجًا على تصرفات حكومته، ولم يكن الحجاب أو التدين أو المذهب الشيعي سببًا مباشرًا أو غير مباشر لتلك التحركات. لذا، من الأجدر بنا أن نبتعد عن محاولة استغلال مأساة الشعب الإيراني لتصفية حسابات أيديولوجية تتعلق بالحجاب. يبدو الأمر وكأن بعض العلمانيين العرب وجدوا في محنة إيران فرصة لتسليط الضوء على قضيتهم الخاصة، متناسين أن السياق مختلف وأن معاناة الشعب الإيراني أعمق وأشمل من مجرد قضية لباس.

من الأولى بنا أن نتضامن مع الشعب الإيراني في مطالبه المشروعة بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، بدلًا من القفز فوق معاناتهم واستغلالها لتمرير أجنداتنا الخاصة. وكأن دولنا العربية جنات ونماذج مثالية ننقلها إلى إيران! لنتذكر أن لكل مجتمع خصوصيته وتحدياته، وأن النضال من أجل الحرية والكرامة يجب أن يحترم هذه الخصوصيات ولا يستغلها بشكل انتهازي.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...