في خضم نقاش عابر مع أحد المعارضين حول قضية ما، صعقت بحدة رد
فعله. كيف لي أن أجرؤ على معارضة قامة معارضة "فذة" مثله، شخص أفنى سنوات
عمره، حسب زعمه، في صفوف المعارضة؟
تسلل إلى ذهني سؤال ملح: إذا ما كتب لهذا المعارض النصر يومًا
ما على "النظام" الذي يكافحه، فهل سيتحول إلى موالٍ "فذ" بنفس
القدر؟ وهل سيطبق عن طيب خاطر مبادئ الديمقراطية التي ينادي بها منذ نصف قرن، كما
يدعي؟ أم أننا سنشهد تجسيدًا آخر لحكم الحزب الواحد، والرأي الواحد الأوحد، والشخص
الأوحد المتفرد بالسلطة؟
لقد كانت الثورة، في جوهرها، للجميع. لكن يبدو أن هذا المعارض
بالذات يرى فيها ملكًا شخصيًا، غنيمة حرب يجب أن يستأثر بها وحده، ويقصي كل من
يختلف معه أو ينافسه الرأي.
إن هذا التفكير الإقصائي يثير قلقًا عميقًا. فالتاريخ مليء
بالأمثلة عن ثوار أطاحوا بدكتاتوريات ليقيموا دكتاتوريات أخرى أشد وطأة. الخطر
الحقيقي يكمن في تحول المعارض المتصلب إلى سلطوي متغطرس بمجرد أن تتاح له فرصة
الوصول إلى السلطة.
الديمقراطية الحقيقية لا تقوم على احتكار الحقيقة أو تكميم
الأفواه المعارضة. إنها تتطلب سعة صدر، وقبولًا للتعددية، واحترامًا للرأي الآخر،
حتى وإن كان مخالفًا لرأينا. إنها تتطلب مؤسسات قوية تحمي الحريات وتضمن تداول
السلطة بشكل سلمي.
فهل يمتلك هذا المعارض "الفذ" حقًا هذه الصفات؟ هل
يستطيع أن يتخلى عن عقليته الإقصائية وأن يؤمن بالتداول السلمي للسلطة؟ أم أن
سنوات المعارضة الطويلة قد رسخت في ذهنه قناعة بأنه وحده من يمتلك الحق والصواب،
وأن كل من يخالفه الرأي فهو بالضرورة على خطأ؟
إن مستقبل أي تحول سياسي يعتمد بشكل كبير على طبيعة القادة
الذين سيقودون المرحلة الجديدة. إذا كان هؤلاء القادة يحملون في طياتهم بذور
التسلط والإقصاء، فإن الثورة، مهما كانت نبيلة في بدايتها، ستنتهي حتمًا إلى كارثة
أخرى.
لذلك، من حقنا أن نتساءل ونشكك. من حقنا أن نطالب المعارضين،
قبل الوصول إلى السلطة، بإظهار التزام حقيقي بمبادئ الديمقراطية والتعددية. يجب أن
نرى في أقوالهم وأفعالهم ما يطمئننا إلى أنهم لن يكرروا أخطاء الماضي، وأنهم
سيبنون دولة تقوم على العدل والمساواة واحترام حقوق الجميع، لا على حكم الفرد أو
الحزب الواحد. فالخوف من دكتاتور جديد يرتدي عباءة المعارضة ليس مجرد وهم، بل هو
احتمال واقعي يجب أن نتعامل معه بجدية وحذر.
تعليقات
إرسال تعليق