لا تنتهي قصة المظلومية لشعب ما بسهولة، بل غالبًا ما تستمر وتستفحل،
حتى لو وصل من ادعى المظلومية يومًا ما إلى سدة الحكم وأصبح هو نفسه ظالمًا
مستبدًا. يبدو أن جرح المظلومية عميق الغور، يورث أجيالًا من الغضب والانتقام،
ويشوه النفوس حتى تتحول الضحايا بالأمس إلى جلادين اليوم، وتستمر الدائرة المفرغة
من العنف والقهر، حتى لو سيطروا على الأرض والبشر والمال.
إن الشعور بالظلم والقهر يترك ندوبًا عميقة في الروح الجمعية
للشعوب. يتحول هذا الشعور إلى إرث ينتقل عبر الأجيال، يتغذى على الذاكرة التاريخية
وعلى استمرار مظاهر التمييز والإقصاء. حتى عندما تتاح الفرصة لمن عانوا من الظلم
للوصول إلى السلطة، فإنهم غالبًا ما يحملون معهم تركة ثقيلة من المرارة والرغبة في
الانتقام، مما يجعلهم عرضة لتكرار نفس الممارسات القمعية التي عانوا منها في
الماضي.
يبدو أن المظلومية، بمجرد أن تتجذر في وعي شعب ما، تصبح قوة
دافعة لا تهدأ. حتى لو تحقق الظاهري من مطالبهم وسيطروا على مقاليد الأمور، فإن
شبح الماضي يظل يطاردهم، يدفعهم إلى ممارسة سلطة مطلقة خشية عودة الظلم إليهم، أو
ربما بدافع الرغبة في تعويض سنوات الحرمان والقهر بطرق قمعية مماثلة.
إن الوصول إلى السلطة لا يعني بالضرورة التخلي عن ثقافة
المظلومية. بل في كثير من الأحيان، يتم استغلال هذه الثقافة لتبرير ممارسات قمعية
جديدة ضد فئات أخرى من المجتمع، يتم تصويرها على أنها امتداد للظلم التاريخي أو
تهديد للمكتسبات الجديدة. وهكذا، تستمر دورة العنف والقهر، وتتحول المظلومية من
سبب للتحرر إلى أداة للهيمنة.
إن الخروج من هذه الدائرة المفرغة يتطلب وعيًا عميقًا بتأثيرات
المظلومية على الضحايا والجلادين على حد سواء. يتطلب مصالحة حقيقية مع الماضي،
وعدالة انتقالية لا تسعى للانتقام، بل للجبر والتعويض وكشف الحقائق. الأهم من ذلك،
يتطلب بناء مؤسسات قوية تضمن حكم القانون وتحمي حقوق جميع المواطنين دون تمييز أو
إقصاء، بغض النظر عن خلفياتهم أو تجاربهم الماضية.
إن تجاوز لعنة المظلومية الأبدية ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب
شجاعة الاعتراف بالخطأ، ورغبة صادقة في بناء مستقبل مشترك يقوم على العدل
والمساواة والتسامح، مستقبل يتجاوز مرارة الماضي وينظر بتفاؤل إلى إمكانية التعايش
السلمي والمزدهر للجميع. أما الاستمرار في تداول ثقافة المظلومية واستخدامها كأداة
للصراع والهيمنة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الألم والمعاناة للجميع، حتى لو سيطر
مدعي المظلومية على كل شيء ظاهريًا.
تعليقات
إرسال تعليق