"أنا الوطن".. تلك العبارة الرنانة
التي غالبًا ما تدور حولها أحاديث بعض معارضي دمشق، وكأنهم وحدهم يمتلكون مفاتيح
الوطنية الخالصة، والقادرون على كشف خيوط المؤامرات والعمالة الأجنبية قبل الجميع.
"أنا الوطن".. هكذا يتغنى المعارض "الفذ"
بنرجسية واضحة، وينظر إلى غيره بازدراء، معتبرًا إياه أقل وعيًا وإدراكًا للحقيقة
المطلقة التي يزعم امتلاكها وحده.
تلك الجمل المألوفة تتردد على ألسنتهم بثقة زائفة: "أنت شو
عرفك؟"، "أنا سمعت من واحد مقرب"، "أنا سمعت من صديق مقرب
جدًا"، "حكالي واحد من مكتب فلان". وكأن هذه "المصادر
السرية" تمنحهم حصانة ضد الخطأ وتجعلهم أوصياء على الحقيقة الوطنية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: إذا كنت مقربًا لتلك الدرجة من
مراكز القرار، وإذا كانت آذان المسؤولين مُصغية لك لهذه الدرجة، وإذا كنت تستفيد
من علاقاتك الخاصة مع هؤلاء الأشخاص، فما هو الفارق الجوهري بينك وبينهم؟ ألا تصبح
جزءًا من نفس المنظومة التي تدعي معارضتها وكشف فسادها؟
"أنا الوطن".. تلك العبارة التي كفر بها للأسف الكثير
ممن خرجوا في تظاهرات عام 2011 مطالبين بالحرية والكرامة، ليجدوا أنفسهم اليوم على
قارعة التاريخ، ضحايا للتطرف الفكري والعزلة والشللية التي استغلت شعاراتهم
النبيلة لأهداف أخرى.
عندما نؤمن بالوطن حقًا، فإننا نؤمن بأن لنا جميعًا الحق في
خدمته بالطريقة التي نراها مناسبة، وفقًا لقناعاتنا وقدراتنا، بعيدًا عن نظريات
أصحاب المؤامرات الجاهزة والآراء المعلبة التي تُفرض علينا وكأنها الحقيقة
المطلقة.
إن الوطنية الحقيقية ليست حكرًا على أحد، وليست شعارًا يُرفع
للتقليل من شأن الآخرين. الوطنية الحقيقية تكمن في العمل الصادق والمخلص لبناء
الوطن وخدمة مصالحه العليا، وفي احترام آراء الآخرين وحقهم في التعبير، حتى وإن
اختلفت مع رؤيتنا.
أتمنى بصدق أن نُحب الوطن حبًا حقيقيًا، حبًا يتجاوز الشعارات
الفارغة والاتهامات المجانية، حبًا يدفعنا للعمل معًا بروح الفريق الواحد لبناء
مستقبل أفضل لسوريا، مستقبل يتسع لجميع أبنائها بمختلف آرائهم وتوجهاتهم. فالوطن
ليس ملكًا لأحد، بل هو انتماء مشترك يجمعنا جميعًا.
تعليقات
إرسال تعليق