التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جريمة متجددة بلا مُتهم في وطن النسيان


منذ أيام، استرجعت ذاكرتي شريطًا تلفزيونيًا قديمًا، مسلسل "الإخوة" الذي أنتج عام 1994. في حلقته الأولى، يجسد الفنان بسام كوسا شخصية حسام، الصحافي الشجاع الذي ينطلق في رحلة بحث مضنية عن المتسبب الفعلي في حرائق غابات الساحل السوري، محاولًا كشف المستفيد الخفي من هذه الكارثة البيئية والاقتصادية.

تتصاعد وتيرة الأحداث في المسلسل مع رفض رئاسة التحرير نشر التحقيق الذي توصل إليه حسام، والذي يحمل أسماء المتهمين بارتكاب تلك الجريمة النكراء. لكن المفارقة الصادمة، والوجع الحقيقي الذي يكمن هنا، هو أن الجريمة التي كان يبحث عنها الصحافي "كوسا" قبل ثلاثة عقود، تتكرر بنسق شبه سنوي على امتداد ساحلنا السوري الجميل، وبلغت ذروتها المأساوية في عام 2020 عندما التهمت النيران مناطق واسعة وممتدة من غاباتنا الخضراء.

في كل عام، تتكرر المأساة، تتصاعد ألسنة اللهب لتلتهم الأخضر واليابس، تخلف وراءها سوادًا قاتمًا ورائحة رماد خانقة. تحترق الأشجار المعمرة، وتتضرر البيئة، وتخسر المجتمعات المحلية مصدر رزقها وجمال طبيعتها الخلابة. لكن، وعلى مدار هذه السنوات الطويلة، لم يُجرم أحد بشكل حقيقي، ولم تتهم السلطات أي طرف بمسؤولية واضحة عن هذه الحرائق المتكررة. ينتهي الأمر غالبًا بتقديم بعض التعويضات المالية الهزيلة للمتضررين، وكأن بضعة نقود كافية لمحو آثار الكارثة وإعادة الحياة إلى ما احترق.

إنها جريمة فتحنا أعيننا عليها في طفولتنا، وما زالت مستمرة حتى الآن، تتكرر حلقاتها المؤلمة في مسلسل عبثي لا ينتهي. لا يوجد متهم واضح يُقدم للعدالة، والمتضرر هو الوطن بأكمله، تاريخه الطبيعي وجماله الذي يتآكل عامًا بعد عام تحت وطأة الإهمال أو ربما فعل فاعل خفي.

إن تكرار هذه الحرائق، وعدم محاسبة المسؤولين عنها، يطرح تساؤلات عميقة حول آليات الحماية والمحاسبة في وطننا. هل أصبحت هذه الكوارث قدرًا محتومًا؟ أم أنها نتيجة إهمال وتقصير أو حتى تواطؤ مستتر؟ إن استحضار مسلسل "الإخوة" بعد مرور عقود على إنتاجه، ورؤية أن ذات الجريمة تتكرر دون حل، يبعث في النفس شعورًا مريرًا باليأس والعجز أمام واقع مؤلم يتجدد باستمرار في وطن يبدو أنه اعتاد النسيان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...