التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

القوة والضعف

من أجمل اللحظات التي أشتري بها تكون من فقراء الحي ما أحتاجه، ومن أسوأها أن نبازرهم على القليل من النقود يربحونها، وفي ذات الوقت نرمي الآلاف في توافه الأمور. هو الحال اليومي الذي آراه مع البعض، آراه وأحاول أن أغيره بقدر ما أستطيع. فأحد الأشخاص - المتخمين مالياً - يزور وبشكل يومي الأسواق الشعبية، ليشتري بأرخص الأسعار، ويبازر ويتشاطر على البائعين الفقراء. دورة حياة البائع الفقير تبدأ من أرضه الصغيرة التي يعتني بها زراعةً ورياً وغيرها من حرق الأعصاب بانتظار الأمطار المناسبة لتخرج منتجاته بالشكل اللائق، ليبدأ بعدها رحلة التسويق عند الخامسة صباحاً، فهو ينطلق من قريته والتي تبعد نحو 5 إلى 25 كيلو متر عن مركز المدينة، حاملاً معه كل منتجاته، وطبعاً يحملها بباص القرية الممتلئ بالبائعين أمثاله. ليصل بنحو السادسة صباحاً فيبدأ بوضع منتجاته على طاولة خشبية مهترئة أو حديدة صدئة، تأخذ البلدية ضريبتها منه، إضافة لضريبة الأرباح غير الحقيقية، ويبقى على ذاك الحال من السادسة صباحاً حتى الثانية ظهراً. ليحمل ما تبقى لديه من منتجات ويتجه إلى قريته، سعيداً بما باع وحزيناً بما تبقى. قد نكون أقوياء على هذه...

علمٌ ممزق.. وحيرة طفلة سورية

" أي علم أرسم؟" سؤال بريء، لكنه يحمل في طياته وجع وطن. طفلة سورية في بلاد الغربة، ترى علمين يتنازعان على شاشة الأخبار، على صفحات التاريخ الممزق. علم ثلاثي النجوم الحمراء، يرفرف في سماء الدولة التي تستضيفها، وعلم أخضر بنجوم بيضاء، تراه في عيون والديها، في صور الذكريات، رمزًا لوطنٍ يحلمون بالعودة إليه. أشرتُ لها ببساطة: "ارسمي العلم الذي ترينه في بيتنا". فالكثير من السوريين المغتربين يحتفظون بعلم الاستقلال أو علم الثورة حالياً، يضعونه نصب أعين أطفالهم، علّه يوقظ فيهم جذورًا ضاربة في أرضٍ بعيدة، ويحيي أمل العودة المترنح. لكن حيرة الطفلة أعمق من مجرد اختيار ألوان. إنها ترى العالم الخارجي لا يعترف إلا بالعلم الأحمر، بينما قلبها الصغير يميل للعلم الأخضر، الذي يرتبط في مخيلتها بصورة "سوريا الحرة" التي تسمع عنها في حكايات أهلها . منذ أن لوّح المتظاهرون بالعلم الأخضر، انقسم المجتمع السوري إلى معسكرين. علمٌ يمثل الثورة الشعبية، المطالبة بالحرية والكرامة، والرافضة للنظام الحاكم. وعلمٌ آخر يلتف حول السلطة، يرى في الحراك تهديدًا لوحدة البلاد واستقرارها. كلاهما رف...

"آمين" في زمن التساؤلات: صلوات الجمعة وصدى الواقع المرير

في كل يوم جمعة، كان مشهد المساجد يتكرر في أرجاء بلادنا. يتوافد المسلمون لأداء صلاة الظهر، وقلوبهم معلقة بكلمات الخطيب التي تسبق الصلاة. وبعد أن يفرغ من خطبته، كانت عبارة ثابتة تتردد في أرجاء المسجد: "اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا". وبصوت واحد، كنا نرفع أكف الضراعة ونردد "آمين"، متمنين الأمن والسلام لأوطاننا، والصلاح والهداية لقادتنا وولاة أمورنا. لكن في داخلي، كانت تتزاحم أسئلة مستغربة، وذلك قبل عام 2011 وما حمله من تحولات جذرية. كيف لنا أن نطلب الأمن في أوطان كانت تنذر بالكثير من الاحتقان؟ وهل كان أئمتنا وقادتنا حقًا بتلك الدرجة من الفساد والفسق حتى يستوجبوا دعوة خاصة بالإصلاح الإلهي؟ وإن كانوا كذلك، فلماذا كانوا في مواقع المسؤولية والنفوذ؟ أسئلة بقيت معلقة في ذهني الصغير حتى جاء عام 2011 ليقدم لي إجابات قاسية وواضحة، لم تكن يومًا في حسباني. أتذكر جيدًا دعاء آخر كان يتردد على لسان الخطيب من على منبر المسجد: "اللهم أمحق اليهود..." وكنا نردد خلفه "آمين" بصدى عالٍ، إيمانًا منا بنصرة الحق على الباطل. لكن مع مرور السنوات، بد...

الأول.. وهم التفوق الزائف وإهمال الواقع

قد تبدو البداية غريبة للوهلة الأولى، لكنها تحمل في طياتها حقيقة راسخة: غالبًا ما تتملكنا "عقدة الأول" عندما نشعر بالضعف أو التهميش. نسعى جاهدين لنتبوأ المركز الأول، وكأنه تعويض عن نقص نشعر به. أما الأقوياء حقًا، الواثقون من ذواتهم وقدراتهم، فلا يعنيهم كثيرًا المركز الذي يشغلونه على الخريطة، فهم يدركون بثقة أن الجميع يسيرون في فلك تأثيرهم. بالنظر إلى قائمة الدول التي اعترفت بالأمم المتحدة في عام 1945، نجد أن أغلبها كانت دولًا صغيرة، ضعيفة، رازحة تحت نير الاستعمار كما يُقال. لقد كانت تلك البداية بمثابة اعتراف دولي بوجودها، ربما كانت "المرتبة الأولى" في سلم الوجود المستقل آنذاك هدفًا مشروعًا. لكن "عقدة الأول" ما تزال متجذرة، خاصة لدى الدول الناشئة والصغيرة. نراها تستجدي المركز الأول في كل ميدان: في التنافسية العالمية، في مؤشرات الاقتصاد، في عدد الاختراعات والابتكارات، والقائمة تطول. يبدو وكأن الوصول إلى القمة هو جواز المرور إلى عالم الاعتراف والتقدير. لا شك أن سعي هذه الدول نحو الكمال لمواطنيها، والحرص على تقديم أفضل الخدمات لهم، هو أمر محمود ويدعو لل...

عندما يتحول "طبيب" إلى تاجر.. تجربتي المريرة في سوق الصحة الخاص

كثيراً ما تتردد على مسامعنا قصص عن "تجارة الأطباء"، وكيف يستغل البعض منهم حاجة المرضى لابتزاز أموالهم. لكن أن أعيش تفاصيل هذه التجارة بنفسي، وأن أشعر بوطأتها على جسدي وروحي، فهذا ما جعلني أدرك بعمق حكمة المقولة: "من يعد العصي ليس كمن يعدها ". قبل أيام قليلة، وجدت نفسي مضطراً لزيارة عيادة طبيب متخصص في إحدى المشافي الخاصة المرموقة، وذلك في يوم الجمعة. كنت على دراية بحالتي الصحية تماماً؛ لا أعاني من مشاكل جسدية مزمنة، ولا اضطرابات نفسية أو عصبية، بل كان الأمر مجرد عارض صحي طارئ استوجب التدخل الطبي السريع، رغبةً مني في التخلص منه قبل حلول شهر رمضان المبارك . وما إن وطأت قدماي عيادة الطبيب، حتى استقبلني بترحيب فاتر ودعاني للجلوس. لم يمض وقت طويل على جلوسي حتى بدأ يسألني عن تفاصيل شكواي. وبمجرد أن أطلقت بضع كلمات تصف حالتي، هز رأسه بحركة توحي بعالم خبير قد استشف كل خبايا مرضي. ثم فاجأني بعبارات قاطعة: "تحتاج لتنظير وأشعة مقطعية..." وذكر إجراءً ثالثًا لم أستوعب اسمه جيدًا، لكن حسب وصفه المطول، كان ينتظرني الكثير من الفحوصات والإجراءات العاجلة التي قد تنتهي ب...

كلنا سارقون.. بريئون

في مشهد سينمائي لافت، سعى بطل الفيلم لتبرير فعل السرقة لشريكته المستغربة، مقدمًا منطقًا صادمًا: "لا أسرق لأني أريد السرقة فحسب، وإنما أسرق لأننا جميعًا سارقون بطريقة أو بأخرى." ثم شرع في تفنيد منظومته الخاصة للسرقة الجماعية، بدءًا من راتبه الذي يذهب معظمه أرباحًا للشركة، مرورًا بتهرب الشركة الضريبي من الحكومة، ونهب الحكومة لأموال الضرائب من المواطنين لتمويل مؤسساتها، وصولًا إلى المصارف التي تستثمر أموالنا دون مشاركتنا في الأرباح. هذا المنطق السينمائي المثير للجدل، دفعني للتساؤل بجدية: هل نحن حقًا جزء من هذه الدائرة الواسعة من "السرقة" اليومية؟ في اليوم التالي للعمل، بدأت أراقب محيطي بعين مختلفة. لاحظت أن العديد من الموظفين يتأخرون عن الدوام أو يغادرون قبل نهايته، ومع ذلك لا يُخصم من رواتبهم شيئًا. أليس هذا نوعًا من الاستيلاء غير المشروع على وقت وجهد المؤسسة؟ أليسوا بذلك "سارقين" لوقت العمل المدفوع الأجر؟ وامتدت ملاحظاتي لتشمل بعض الموظفين الآخرين - ليس الجميع بالطبع - الذين لا يتجاوز إنتاجهم الفعلي ساعة واحدة في يوم عمل كامل، في أحسن الأحوال. أليس...

حين يُحترم الوقت في "المتخلفة" ويُهان في "المتقدمة"

في إحدى دول أوروبا الشرقية، التي قد يصفها كثيرون بتخلفها عن ركب الحضارة، حجزت تذكرة لتقلني إلى المطار الذي يبعد قرابة ثلاث ساعات. نصحني موظف الحجز بالقدوم قبل عشر دقائق فقط من موعد الانطلاق. وبطبيعة الحال، واستنادًا إلى تجارب سابقة مريرة في بلادنا العربية، حضرت قبل نصف ساعة كاملة، متوقعًا سيناريو الانتظار الطويل الذي اعتدناه. لكن المفاجأة كانت صادمة: وسيلة النقل حضرت قبل عشر دقائق من الموعد المحدد، وانطلقت بدقة متناهية في اللحظة الموعودة . على النقيض تمامًا، وفي إحدى الدول العربية، تأخرت طائرة تابعة لشركة طيران مرموقة (بعراقة عدد طائراتها فقط) عن موعد إقلاعها ساعة كاملة. لم يكلف أي من موظفي الرحلة نفسه عناء تبرير هذا التأخير للركاب القابعين في قلق وترقب. اكتفوا بعبارات اعتذار مجاملة جوفاء، ووعود زائفة بأن الصعود إلى الطائرة سيبدأ خلال عشر دقائق. هذه "العشر دقائق" المطاطة امتدت لساعة كاملة من الانتظار القاتل. وفي النهاية، وببطء شديد يثير الأعصاب، بدأ الركاب بالصعود إلى الطائرة التي حلقت أخيرًا في السماء . الغريب في الأمر أنني لم أسمع قط عن راكب في وسائل النقل المختلفة، س...