التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لماذا تبني الحكومة السورية مؤسسات جديدة بدلاً من ترميم القديمة؟


 





تُثار التساؤلات حول نهج الحكومة السورية في بناء المؤسسات، بدلاً من إصلاح وتأهيل المؤسسات القائمة وحتى إعادة هيكلية، لا سيما في ظل الظروف الراهنة. فبعد سنوات من الصراع، يبدو أن هناك توجهًا نحو "البدء من الصفر" في قطاعات حيوية، كما أشير حديثًا إلى وزارة الداخلية التي شرعت في إنشاء أقسام جديدة.

هذا التوجه يدعو للتفكير في الأسباب الكامنة وراء هذا القرار، وهل هو فعلاً الخيار الأمثل لتحقيق التعافي والإنتاجية.

الجدل حول "الإصلاح أصعب من البناء" ليس جديدًا. في مجالنا الإعلامي، على سبيل المثال، كثيرًا ما نُفضل إعادة كتابة مقال أو تقرير من البداية بدلاً من محاولة ترميم أو تصحيح نص ضعيف أو مليء بالأخطاء. وهذه العملية، وإن بدت أكثر جهدًا، إلا أنها توفر الوقت وتزيد من سرعة الأداء على المدى الطويل، لأن عمليات الترميم غالبًا ما تستهلك وقتًا وجهدًا وتفكيرًا أكبر بكثير.

يمكن تطبيق هذا المنطق على المؤسسات الحكومية، فالمؤسسات الحكومية السورية القديمة، التي تعرضت لعقود من التآكل بسبب الفساد، وتآكل الهياكل الوظيفية بسبب آليات التوظيف التي غالبًا ما كانت تفتقر إلى الكفاءة، قد تكون في حالة تجعل إصلاحها الشامل أكثر تعقيدًا وصعوبة من بناء هياكل جديدة بمعايير حديثة.

ولطالما كانت مشكلة الفساد في المؤسسات السورية عائقًا رئيسيًا أمام أي محاولات للإصلاح. فالفساد لا يقتصر على الاختلاس المالي فحسب، بل يمتد ليشمل تآكل الأنظمة والقيم المؤسسية، مما يجعل عملية التغيير من الداخل مهمة شاقة. عندما تكون آليات التوظيف قد اعتمدت على المحسوبية أو الولاء بدلاً من الكفاءة، فإن الهيكل الوظيفي يصبح ضعيفًا وغير مؤهل، ويعيق أي محاولة لرفع مستوى الأداء.

في مثل هذه الظروف، قد ترى الحكومة الجديدة أن محاولة إصلاح هذه الهياكل المتشابكة مع الفساد والروتين المعقد ستكون عملية بطيئة ومكلفة، وقد لا تؤتي ثمارها بالسرعة المطلوبة. البدء بمؤسسات جديدة يمنح فرصة لتطبيق معايير حديثة في التوظيف، واعتماد أنظمة عمل أكثر كفاءة وشفافية، وبالتالي، تأسيس بيئة عمل صحية تساهم في تحقيق الأهداف المرجوة بشكل أسرع وأكثر فعالية.

البدء من الصفر قد يبدو مضيعة للوقت في البداية، إلا أنه قد يكون الطريق الأقصر نحو الإنتاجية المستدامة، فعندما يتم بناء مؤسسات جديدة على أسس سليمة، مع اختيار كوادر مؤهلة وتطبيق سياسات واضحة لمكافحة الفساد، يمكن تحقيق قفزة نوعية في الأداء.

هذا النهج يقلل من العقبات البيروقراطية والإرث السلبي للمؤسسات القديمة، ويسمح بالتركيز على الأهداف الحقيقية وتحقيقها بكفاءة أكبر.

التحدي اليوم يكمن في كيفية ضمان أن هذه المؤسسات الجديدة لن تقع في نفس الأخطاء التي وقعت فيها سابقاتها. ما يتطلب التزامًا حقيقيًا بالشفافية، والمساءلة، وتطوير الكفاءات البشرية بشكل مستمر، لضمان أن يكون البناء الجديد نقطة انطلاق حقيقية نحو مستقبل أفضل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...