التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لم يسقط النظام.. بل تغلغل كالسم في المجتمع



أربع عشرة عام ويزيد على الشرارة الأولى للثورة السورية، تلك الانتفاضة الشعبية التي حملت في طياتها آمالاً بإسقاط نظام بشار الأسد الأمني. ومع بحر الدماء والتضحيات التي قدمها السوريون، يبقى الواقع ماثلًا بمرارته: النظام سقط شكلاً.. ولم يسقط مضموناً. فإن ممارسات أتباعه ومواليه ما زالت جاثمة بقوة على صدر المشهد، كأشباح الماضي التي تعيق بشراسة أي محاولة جادة لبناء مستقبل مغاير، كثورة مضادة على ما حصل أو دولة عميقة تدير شبكات مشبوهة.

لم تطرأ تغييرات جوهرية على أدواتهم التي خبرها السوريون على مدى عقود طويلة. ذات التهم الكيدية التي كانت تُلفق لمعارضي النظام، وذات التجمعات الموالية للنظام تشن حملات تشويه وتحريض ممنهجة ضد كل صوت يرتفع مطالبًا بالتغيير أو يحمل رأيًا مختلفًا. لم يتوقف منطق الإقصاء والتخوين الذي لطالما ميز تعامل النظام مع خصومه، بل ربما ازداد شراسة وعمقًا في ظل حالة الاستقطاب الحادة التي خلفتها سنوات الحرب الطاحنة.

والأكثر خبثًا وتعقيدًا، هو ما يراه كثيرون، بمحاولة "للتكويع" أو "القفز إلى الضفة الأخرى" من قبل بعض أشد الموالين للنظام السابق. فبدلًا من أن يكون هذا التحول الظاهري نابعًا من قناعة حقيقية أو اعتراف صريح بالخطأ الفادح الذي ارتكبوه أو شاركوا فيه، يبدو في كثير من الأحيان مجرد "تقية جديدة". واستراتيجية تهدف إلى التغلغل ببطء وخفاء في أي محاولة جادة لبناء سوريا جديدة، ونخرها من الداخل، وإفشال أي حل سياسي أو خطة للمستقبل لا تضمن بقاء نفوذهم ومصالحهم المتجذرة.

تتجلى هذه "التقية الجديدة" في محاولات مستميتة لتجميل الماضي القاتم، وتبرير الجرائم المروعة التي ارتُكبت بحق السوريين.. كما تتجلى أيضًا في الترويج لشخصيات كانت جزءًا أصيلًا من منظومة القمع والاستبداد، وكأنها قادرة فجأة وبسحر ساحر على لعب دور بنّاء وإيجابي في مستقبل سوريا، إنها محاولة وقحة لتبييض صفحة سوداء ملطخة بدماء السوريين الزكية، وإعادة إنتاج النظام القديم بقناع جديد براق وزائف.

إن خطورة هذه الممارسات المضادة لأي تحول حقيقي وجذري تكمن في قدرتها الفائقة على إبقاء جروح الماضي الغائرة مفتوحة، وتعميق الانقسامات الحادة التي مزقت المجتمع السوري، وزعزعة الثقة بأي عملية سياسية مستقبلية تهدف إلى تحقيق مصالحة حقيقية وعدالة انتقالية. كيف يمكن بناء سوريا جديدة على أسس متينة من العدالة والمصالحة الشاملة، بينما ما زالت أدوات التشويه والتضليل حاضرة بقوة في المشهد؟ كيف يمكن تحقيق الوحدة الوطنية المنشودة، بينما ما زال منطق التخوين والإقصاء هو السائد والمهيمن على خطاب فئة لا يستهان بها من المجتمع؟!

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه السوريين اليوم لا يقتصر فقط على التعامل الحاسم مع بقايا النظام القمعي وأجهزته الأمنية، بل يتعداه إلى ضرورة فضح هذه "التقية الجديدة" وكشفها، وبات من الضرورة بمكان التمييز بوضوح وحزم بين التحول الحقيقي النابع من قناعة راسخة وندم صادق على الماضي، وبين محاولات التسلل والتخريب التي لا تهدف إلا إلى الحفاظ على الامتيازات والنفوذ بأي ثمن، حتى على حساب مستقبل سوريا ووحدتها وسلامة أبنائها.

إن سقوط النظام الحقيقي لا يقتصر على رحيل شخص أو مجموعة من السلطة، بل يمتد ليشمل تفكيك منظومة كاملة من الممارسات والأفكار والثقافة التي سمحت له بالبقاء والاستمرار لعقود طويلة. وما لم يتم تفكيك هذه المنظومة بشكل حقيقي وجذري، وقطع الطريق تمامًا على محاولات إعادة إنتاجها بأي شكل من الأشكال أو تحت أي مسمى، ستبقى سوريا أسيرة ماضيها الدامي، وستظل آمال السوريين بمستقبل أفضل يسوده العدل والحرية والكرامة مجرد سراب بعيد المنال.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

اللهجات السورية بين صورة الأمس والواقع الجديد

  لطالما شكّلت اللهجات السورية جزءاً أساسياً من الهوية الثقافية لأي مجتمع، لكنها في الوقت نفسه كانت سبباً في تكوين صور نمطية ظلمت أصحابها، فقد كان المشهد الإعلامي السوري للعقود الماضية يرسّخ فكرة أن بعض اللهجات تمثل الرقي والتحضر، بينما أخرى تعكس البساطة أو حتى الجهل، وهو ما خلق فجوة اجتماعية ونظرة استغراب وربما خوف تجاه المختلف.. في الدراما السورية وبرامج الإعلام السوري الحوارية سابقاً، والتي كانت من أبرز أدوات تشكيل الوعي الجمعي، ظهرت اللهجة الشامية البيضاء كرمز للأناقة والتعليم، بينما ارتبطت اللهجة الساحلية غالبًا بالقوة والسطوة، حتى أصبحت القاف فيها علامة للخوف والرعب أكثر من كونها مجرد صوت لغوي.. فيما باقي اللهجات، فغالباً ما صُوِّرت على أنها لهجات للفلاحين أو غير المتعلمين، مصحوبة بالفوضى والسخرية، وأحياناً مرتبطة بحالات فساد، مما جعلها تبدو أقل شأناً في المخيلة العامة. واليوم، وبعد التحرير.. وانطلاق وسائل الإعلام مختلفة وتنوع المنصات، بدأ الضوء يُسلَّط على حقيقة أن هذه اللهجات ليست مجرد أصوات، بل لُغات حيّة تحمل خلفها ثقافة غنية، وأشخاصًا متعلمين ومثقفين يسعون لبناء وط...

الديمقراطية في سوريا.. أحاديث المقاهي والصالونات فقط

    منذ سقوط النظام، تصاعدت الأحاديث حول ضرورة إدخال الديمقراطية إلى المنظومة السياسية الجديدة، باعتبارها الأساس لبناء دولة مدنية حديثة تقوم على المشاركة والشفافية... هذا الطموح، الذي بدا في بداياته كإجماع وطني، سرعان ما اصطدم بواقع معقد كشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب والممارسة. فبينما يرفع الجميع شعار الديمقراطية، نجد أن كثير من المتحدثين باسمها – من مثقفين ومبدعين وسياسيين واقتصاديين ومهنيين، مرورًا بالمعارضين السابقين والحاليين، وصولًا إلى شخصيات كانت موالية للنظام ثم تحولت فجأة إلى معارضة شرسة – لا يقبلون النقد ولا يتعاملون مع الرأي الآخر بروح ديمقراطية. رغم أن كثير منهم، إن لم يكن كلهم، يتحدثون وبإسهاب عن ضرورة ممارسة الديمقراطية، وإرساء أحكامها ومبدأها في الحكم الحالي. وهذه المفارقة تثير تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد القوى السورية لتبني ثقافة ديمقراطية حقيقية، لا مجرد شعارات أو أحاديث مقاهي وصالونات. مؤسسات المعارضة السابقة، والأشخاص المنضوين تحتها، وحتى بعض من يرفعون اليوم راية للتغيير، يكررون أن الديمقراطية هي الحل، بل ويتحدثون بها في كل مجلس ومقابلة إعلامية و...

الحاجة الدائمة إلى غرباء: نافذة جديدة للثقة بالنفس

في حياتنا اليومية.. تحيط بنا وجوه مألوفة وأصوات معتادة، قد تتسلل الشكوك إلى نفوسنا. قد تهتز ثقتنا بأنفسنا بفعل آراء الآخرين، أو بسبب التجارب المتكررة التي قد لا تحمل دائمًا التقدير الذي نستحقه. في هذه اللحظات تحديدًا، تبرز أهمية لقاء الغرباء في حياتنا، أولئك الذين لا يحملون أي تصورات مسبقة عنا، والذين يروننا بعيون جديدة ونقية. إن الغريب، بتعريفه، هو شخص قادم من عالم آخر، لا يمتلك خلفية عن تاريخنا، ولا يعرف نقاط قوتنا وضعفنا الظاهرة. هذا التجرد من الأحكام المسبقة يمنحنا فرصة فريدة لإعادة تقديم أنفسنا، ليس بالكلمات فحسب، بل بالأفعال والتصرفات التي تنبع من جوهرنا الحقيقي. عندما نتفاعل مع شخص لا يعرف "من نحن" بناءً على الماضي، نتحرر مؤقتًا من تلك القيود ونحظى بفرصة للتعبير عن الذات التي نطمح أن نكونها. في تفاعلاتنا مع المقربين، قد نجد أنفسنا أسرى لتوقعاتهم أو لذكرياتهم عنا. قد يروننا دائمًا في ضوء تجربة سابقة، سواء كانت ناجحة أو متعثرة. هذا لا يعني بالضرورة وجود نية سيئة، بل هو طبيعة العلاقات الإنسانية التي تتشكل عبر الزمن. لكن، هذا قد يحجب عنهم رؤية التطور الذي طرأ علينا، ...