في الطب، يصف الطبيب العلاج
المناسب بعد التشخيص الدقيق الذي يعتمد على أعراض واضحة. ولكن ماذا لو كانت
الأعراض خفية أو مشوشة؟ ماذا لو كان المريض يعاني من آلام غير محددة، والطبيب
يعتمد على التخمين أو التجربة؟ هذا بالضبط ما يحدث في مجتمعاتنا اليوم، إذ تتراكم
المشكلات دون فهم حقيقي لجذورها، ما يؤدي إلى "وصفات علاجية" عشوائية قد
تزيد الوضع سوءاً.
في سوريا – كمثال – بدأت تظهر على
السطح أعراض اجتماعية وسياسية كانت لسنوات طي الكتمان. المشكلة ليست في ظهور هذه
الأعراض، بل في عدم القدرة على قراءتها بشكل صحيح. فكما أن بعض الأمراض الجسدية
تبدأ بآلام غامضة، فإن أمراض المجتمع تظهر أولاً كتذمر عام أو انقسامات غير مبررة،
قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية.
وبدلاً من السعي إلى معالجة
الأسباب الجذرية للمشكلات، يُكتفى بالتعامل مع الأعراض السطحية عبر حلول مؤقتة لا
تعالج عمق الأزمة. فعلى سبيل المثال، إن ما يشهده المجتمع السوري اليوم يحمل في
طياته شيئًا من هذا القبيل. بدأت بعض الأعراض تطفو على السطح، وهي ضرورية الظهور،
لأنها تمثل الخطوة الأولى نحو العلاج، نحو فهم أعمق للحالة المرضية التي نعيشها
كأفراد ضمن هذا النسيج الاجتماعي.
إن الانتماء الطائفي – على سبيل
المثال - ليس مشكلة، ولم يكن كذلك يومًا، ولن يكون. لكن التفكير الطائفي، وتلك
النظرة الضيقة التي تحكم تعاملاتنا وتقييماتنا، وتحويل الانتماء الطائفي إلى هوية
سياسية تُعمّق الانقسام بدلاً من أن تعزز التعايش، هي صلب المشكلة.
وعندما يتصدر رجال الدين – على سبيل
المثال أيضاً - المشهد في الحديث عن دولة قانون تحمل طابع مدني متنوع، ما يخلق
واقعاً مشوشاً يعيش حالة من التناقض. أما منصات التواصل الاجتماعي، فقد تحولت إلى
ميادين للصراع بدلاً من الحوار، تُتداول فيها الشائعات والمعلومات غير المؤكدة
كحقائق، مما يزيد من حالة الاستقطاب والانقسام المجتمعي.
المجتمعات المريضة تحتاج إلى
شجاعة الاعتراف بأمراضها، والجرأة في معالجتها، حتى لو كانت العملية مؤلمة. فالألم
الذي نعانيه اليوم هو نتيجة تراكم أمراض لم تُعالج في الماضي. وإذا استمررنا في
إخفاء الأعراض خلف الوصفات السطحية، فسنصل إلى مرحلة لا تنفع فيها لا المسكنات ولا
الجراحة.
فهل نحن مستعدون لمواجهة تشخيص
صادق لأمراضنا، أم سنستمر في الهروب من الحقيقة إلى أن يفوت الأوان؟
والمقال ليس مجرد نقد، بل دعوة
للتفكير الجاد في كيفية الخروج من دائرة "التشخيص الخاطئ". فكما أن
الجسد ينهار عندما يُهمل، فإن المجتمعات تتداعى عندما ترفض أن ترى أمراضها في
المرآة.

تعليقات
إرسال تعليق