نعيش في عالم تتشكل
فيه علاقاتنا بالأفراد والدول من خلال عدسة الأفكار المسبقة، تلك التصورات التي
تتراكم في أذهاننا بفعل التجارب السابقة، والمعلومات المتداولة، والانتماءات
الفكرية. هذه "القوالب" قد تُسهّل علينا فهم العالم في بعض الأحيان،
لكنها غالبًا ما تتحول إلى سجون فكرية تحبسنا داخل تصورات ثابتة، تمنعنا من رؤية
التغيير أو تقبله. فعندما نُصنّف شخصًا أو دولة ضمن إطار معين، نصبح غير قادرين
على رؤية ما يتجاوز هذا الإطار، حتى لو كانت الأدلة تثبت العكس.
عندما نتعامل مع
الآخرين - أفرادًا كانوا أم دولًا - بناءً على أفكار مسبقة، فإننا نحكم عليهم عَبرّ
قوالب جامدة. فإذا تصورنا أن شخصًا ما "متطرفًا" أو "خائنًا"
أو "غير موثوق"، فإننا نرفض أي سلوك أو كلام منه يتعارض مع هذه الصورة،
ونعتبره مجرد تكتيك مؤقت أو محاولة للتضليل. والأمر نفسه ينطبق على الدول؛ فالدولة
التي اعتدنا أن نراها "عدوة" أو "حليفة" تظل كذلك في أذهاننا،
حتى لو تغيرت سياساتها جذريًا.
هذه الآلية العقلية
تجعلنا أسرى لتصوراتنا، فنحن نفضل الأمان النفسي الذي توفره الأفكار الثابتة على
مواجهة تعقيدات الواقع المتغير. فالتشكيك في أفكارنا المسبقة يتطلب جهدًا ذهنيًا
وانفتاحًا قد نكون غير مستعدين لبذلهما.
وتظهر هذه
الإشكالية بوضوح في تعامل كثيرين مع الرئيس السوري الحالي للفترة الانتقالية، أحمد
الشرع، الذي أعلن مرارًا أن مرحلة الجهادية السابقة قد انتهت، وأن الأولوية الآن
هي بناء دولة مستقرة. ومع ذلك، يُصر كثيرون - داخل سوريا وخارجها - على أنه لم
يتخلَّ عن أفكاره القديمة، بل يخفي أجندته الحقيقية وراء شعارات المرحلة
الانتقالية. هذا الإصرار على حبس الشرع في قالب "الجهادي السابق" لا
يعكس إلا قوة الأفكار المسبقة التي تشكّل عدسة نرى من خلالها الواقع، حيث نتمسك
بالصور المألوفة حتى عندما تناقضها الحقائق الجديدة.
فبينما يظل النقد
المشروع والتحفظ الواعي ضروريين لأي تقييم موضوعي، فإن تحويل الشك إلى عقيدة جامدة
يحوّل الحوار من نقاش بناء إلى موقف متصلب. ولعلنا نفضل هذا الأمان الفكري الذي
توفره لنا الأفكار الثابتة، لأن مواجهة تعقيدات التغيير تتطلب منا جهدًا ذهنيًا
وانفتاحًا لا نكون مستعدين له دائمًا.
هذا التشبث بالصورة
القديمة للشرع رغم تطور خطابه وتغير الظروف؛ يُظهر كيف يمكن للأفكار المسبقة أن
تصبح أقوى من الوقائع نفسها، مما يحول دون أي تقييم موضوعي لتجربة المرحلة
الانتقالية برمتها. وبالتالي فإن أي حديث عن التغيير هو مجرد ستار. لكن هذا المنطق
يتجاهل حقيقة أن البشر قادرون على التطور، وأن القيادات قد تضطر إلى تعديل
أولوياتها وفقًا لمتطلبات المرحلة. فبناء دولة يتطلب الانتقال من منطق الثورة إلى
منطق الدولة، ومن خطاب التعبئة إلى خطاب الإدارة.
من يريد أن يبني
دولة - أو حتى علاقة إنسانية سليمة - عليه أن يجمع بين ثلاثة عناصر: بعض الثقة، بعض الإيمان، وكثير من العمل.
- الثقة لا تعني السذاجة، بل
تعني منح فرصة للتغيير قبل الحكم المسبق. فبدون مساحة من الثقة، لن يُتاح لأي
شخص أو قيادة أو دولة أن تثبت جديتها.
- الإيمان هو الاعتقاد بأن
التغيير مُمكن، حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. وبدون الإيمان بإمكانية التحسن،
سنظل عالقين في دوامة التشكيك والرفض.
- العمل هو الجسر الوحيد بين
النوايا والواقع. فالكلام وحده لا يكفي، بل يجب أن تقترن الأقوال بالأفعال،
وأن تُختبر النوايا عبر الخطوات العملية.
إذا استمررنا في
التعامل مع الأفراد والدول كأسرى لقوالبنا المسبقة، فلن نتمكن أبدًا من رؤية
التغيير الحقيقي، وسنظل عالقين في الماضي. رغم أن التشكك ضروري في بعض الأحيان،
لكنه لا يجب أن يتحول إلى حاجز يمنعنا من رؤية أي بصيص أمل.
ربما حان الوقت
لكسر هذه القوالب، والاعتراف بأن الأفراد والدول قادرون على التحول. فبناء
المستقبل لا يتحقق بإضافة المزيد من الأقفال إلى أبواب الماضي، بل بفتح هذه
الأبواب، ومنح الفرصة لاحتمالات جديدة. لأن السجون الفكرية لا تقيد سوانا في
النهاية.
تعليقات
إرسال تعليق